مقالات واراء

من وجع النزوح إلى خدمة المرضى ( حلقة 3)

هنادي الطاهر.. امرأة حملت تجربة الحرب من الخرطوم إلى ميادين العمل الإنساني

 

25 مخيماً صحياً.. إنجاز يتجاوز الأرقام

من أبرز ما حققته الجمعية تنظيم المخيمات الصحية، التي وصلت إلى نحو 25 مخيماً على مستوى ولاية النيل الابيض

بالنسبة لهنادي، لا تمثل هذه المخيمات مجرد رقم في سجل الإنجازات، وإنما قصصاً لعشرات ومئات المرضى الذين وجدوا فرصة للحصول على الكشف الطبي والعلاج والخدمات الصحية المجانية.

في كل مخيم، تتكرر الحكايات: مريض يحتاج إلى فحص، وأم تبحث عن علاج لطفلها، ومسن يحتاج إلى متابعة مرض مزمن، وأسرة لا تستطيع تحمل تكاليف العلاج.

وهنا تحاول الجمعية أن تسد جزءاً من الفجوة بين الحاجة والإمكانات المتاحة.

المجتمع احتضن الفكرة

عندما بدأت الجمعية نشاطها، وجدت قبولاً من مجتمع ولاية النيل الابيض ، وهو ما تعتبره هنادي واحداً من عوامل استمرار التجربة.

وتقول إن المجتمع استقبل العمل بفخر، لأن هناك حاجة حقيقية لمثل هذه الخدمات، خاصة في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.

لكن الطريق لم يكن سهلاً.

فالجمعية تواجه تحديات مستمرة، في مقدمتها قلة الموارد، وعدم وجود دعم ثابت ومستقر، إضافة إلى النقص في المعدات الطبية والمعملية.

ويظل توفير المعدات المعملية بصورة كاملة أحد الاحتياجات الأساسية التي ترى هنادي أنها ضرورية لتطوير الخدمات التي تقدمها الجمعية.

خلف كل مبادرة أشخاص لا يظهرون في الصورة

لا تنسب هنادي ما تحقق إلى نفسها وحدها.
وتذكر أن الدعم، بعد الله، يعود إلى أختها الكبرى زينب الطاهر، وزوجها ، الذي كانت إلى جانبها في كل خطوة من خطوات تأسيس المبادرة واستمرارها.
كما تشير إلى دور رئيس اللجنة المجتمعية الدكتور حامد علي، الذي تصفه بالسند للجمعية، وإلى دعوات والدتها ووالدها اللذان منحتها القوة للاستمرار.
وتذكر أيضاً هنادي أحبابها ورفقاء الدرب، إلى جانب وزير الصحة ومدير الشباب والرياضة محلية ربك، ممن كان لهم حضور ودور في مسيرة العمل.
بالنسبة لهنادي، فإن العمل الإنساني لا يقوم على شخص واحد، وإنما على مجموعة من الأشخاص الذين يؤمنون بالفكرة ويدعمونها كل من موقعه.

النزوح غيّر معنى الإنسانية

ربما كانت أكبر التحولات التي أحدثتها الحرب في شخصية هنادي هي الطريقة التي أصبحت تنظر بها إلى مفهوم المساعدة والعمل التطوعي.
قبل النزوح، كانت ترى أن مساعدة الآخرين واجب إنساني.
لكن بعد أن أصبحت هي نفسها نازحة، تغيرت نظرتها.
تقول إن النزوح جعلها تفهم معنى الإنسانية بصورة مختلفة، لأن الإنسان عندما يمر بالألم بنفسه يصبح أكثر قدرة على فهم ألم الآخرين.
لقد عرفت معنى فقدان المنزل، والخوف، وعدم الاستقرار، والحاجة إلى من يقف بجانبك في لحظة صعبة.
ومن هنا أصبح العمل التطوعي بالنسبة إليها ليس مجرد تقديم خدمة للآخرين، وإنما وسيلة للتضامن بين الناس في مواجهة الظروف القاسية.

من تجربة شخصية إلى رسالة عامة

تقول هنادي إن تجربة النزوح علمتها الصمود مهما كانت الصعوبات.
فقدت الاستقرار، لكنها لم تفقد الرغبة في العمل.
ابتعدت عن منزلها، لكنها اقتربت أكثر من الناس الذين يحتاجون إلى المساعدة.
وكان يمكن لتجربة الحرب أن تدفعها إلى الانكفاء على ذاتها، لكنها اختارت طريقاً آخر: أن تحول الألم إلى طاقة للعمل.

وهكذا أصبحت جمعية داعمي ذوي الأمراض المزمنة امتداداً لقصة شخصية بدأت في مركز صحي صغير، مع مريضة مسنة لم تكن قادرة على شراء علاجها، ثم كبرت الفكرة لتصل إلى مخيمات صحية وعيادات مجانية وخدمات متنوعة في عدد من مناطق ولاية النيل الابيض .

الحلم القادم.. مراكز ثابتة لمرضى الأمراض المزمنة

رغم ما تحقق، ترى هنادي أن الطريق لا يزال طويلاً.
وتتمثل خطط الجمعية المستقبلية في التوسع في العمل، وإنشاء مراكز ثابتة لخدمة مرضى الأمراض المزمنة في مختلف أنحاء الولاية.
فالمخيمات العلاجية، رغم أهميتها، تظل مرتبطة بالوقت والموارد والإمكانات المتاحة، بينما يمكن للمراكز الثابتة أن توفر متابعة مستمرة للمرضى، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى رعاية طويلة الأمد.

وتأمل هنادي أن تجد الجمعية شركاء ومنظمات ومؤسسات داعمة تساعدها على تطوير هذا المشروع.

رسالة إلى المنظمات

رسالة هنادي إلى المنظمات والمؤسسات الداعمة واضحة: الشراكة.
لا تطلب فقط دعماً مؤقتاً، وإنما شراكات يمكن أن تساعد على استمرار الخدمات الصحية والإنسانية وتطويرها.

وتقول إن دعم المعدات الطبية والمعملية، وتوفير التمويل المستقر، وتطوير الخدمات، يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في حياة المرضى والأسر المتعففة.

فكل جهاز طبي يمكن أن يخدم مريضاً، وكل دواء يمكن أن يخفف معاناة أسرة، وكل شراكة يمكن أن توسع دائرة المستفيدين.

امرأة نزحت من الحرب.. لكنها لم تستسلم

قصة هنادي الطاهر محمد علي ليست فقط قصة امرأة غادرت منزلها في الكلاكلة بسبب الحرب.
إنها قصة انتقال من موقع المتضرر إلى موقع الفاعل في المجتمع.
الحرب أخذت منها بيتها واستقرارها، لكنها لم تستطع أن تأخذ منها رغبتها في مساعدة الآخرين.
ومن بين الخوف الذي عاشته في طريق النزوح، والقلق الذي رافقها وهي تغادر منزلها، ولدت إرادة جديدة.
إرادة تقول إن الإنسان يستطيع، حتى في أصعب الظروف، أن يصنع شيئاً للآخرين.

اليوم، تقف هنادي خلف تجربة تضم عشرات المتطوعين، وتنظم عيادات مجانية وحملات ومخيمات صحية، وتسعى إلى الوصول إلى مرضى الأمراض المزمنة والأسر المتعففة.
وربما تختصر تجربتها كلها في فكرة واحدة: أن المعاناة يمكن أن تكسر الإنسان، يمكن أيضاً أن تعلّمه معنى الصمود، وأن الألم الذي يمر به قد يصبح سبباً في تخفيف ألم الآخرين.

فقد خرجت هنادي من بيتها نازحة بسبب الحرب، لكنها لم تخرج من الحياة خالية الوفاض؛ حملت معها تجربة الألم، وحولتها إلى رسالة إنسانية ما زالت تكبر يوماً بعد يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock