ثقافة وفن

أنجيل بيستانيا من إدارة مدرسة الخزف إلى نحت تمثال محمد الخامس مسار فنّي يستحقّ التّوثيق واستعادة الإعتبار في تاريخ المدن

إعداد ؛فؤاد الياجيزي.

لا تُقاس آثار الفنانين بما يتركونه من أعمال فحسب، بل أيضاً بما ينقلونه من معرفة إلى أجيال تواصل الإبداع بعدهم.

وفي آسفي، يحضر اسم الفنان الإسباني أنجيل بيستانيا، الوارد في عدد من المصادر باسم «أنخيل بيستانيا»، ضمن الأسماء التي أسهمت في تجربة التكوين الخزفي بالمدينة بعد الاستقلال، وجمعت بين ممارسة الفن وتعليمه. وتوثق المؤسسة الوطنية للمتاحف إسناد إدارة مدرسة للخزف إليه سنة 1958، في محطة من محطات انتقال الخبرة بين الورشات والمؤسسات التعليمية.

ويعيد الغلاف المرفق لكتاب «أنخيل بيستانيا.. رائد مدرسة الخزف بآسفي وصانع تمثال الملك محمد الخامس»، الذي يحمل أيضاً عبارة «سيرة الإبداع والتأثير»، تسليط الضوء على هذا المسار. فمن خلال عنوانه، يضع الكتاب تجربة الفنان في صلب الذاكرة الفنية للمدينة، ويفتح باب الاهتمام بأحد المساهمين في تاريخ خزفها الحديث.

لم يصل بيستانيا إلى أرض خالية من التقاليد الخزفية، بل انخرط في مدينة راكم حرفيوها ومعلموها خبرات وأشكالاً وزخارف متوارثة. ويعرض الملف الصحفي للمتحف الوطني للخزف أسماء عدد من الفاعلين في هذا المسار، من بينهم بوجمعة العملي والطاهر السرغيني والتهامي السرغيني وعبد القادر الغريسي، إلى جانب معلمين وتلامذة أسسوا ورشاتهم وأسهموا في توسيع قاعدة الممارسة الحرفية بالمدينة.

وفي هذا السياق، أنشأت السلطات المغربية سنة 1958 مدرسة أخرى للخزف بتل الفخارين، وأسندت إدارتها إلى بيستانيا. وتكتسب هذه المحطة أهميتها من جمعها بين استمرارية التعلم داخل الورشات وبين التكوين في إطار مؤسسة متخصصة؛ بما أتاح مساراً إضافياً لتلقين الحرفة والفن لأبناء المدينة.

لم تكن قيمة التجربة، بهذا المعنى، مرتبطة بالإنتاج الشخصي للفنان وحده، وإنما أيضاً بقدرته على نقل المعرفة. ويذكر توثيق المؤسسة الوطنية للمتاحف الجيلالي الزيواني وحسن حكومي ضمن أبرز خريجي مدرسته، وهو ما يبرز امتداد أثرها عبر ممارسين حملوا خبراتهم إلى تجاربهم الخاصة.

ومن حيث الحفاظ على خصوصية خزف آسفي، فالوثيقة المتحفية تقدّم معطىً أساسياً لفهم تجربة بيستانيا: فقد حافظ في دروسه وفي أعماله على النماذج الشكلية والزخرفية لخزف آسفي، ولا سيما الرصيد المعروف بزخرفة «التبوع»، الذي يضم عناصر ذات تسميات محلية، منها «اللويزة» و«العقرب» و«عش النحل» و«الزيتونة». وتنسب إليه الوثيقة إدخال زخرفة «الكانبة»، الواردة في النص الفرنسي باسم «Canevas».

وتكشف هذه المعطيات أن حضوره لم يكن قطيعة مع الموروث المحلي، بل تجربة اشتغلت من داخله. وهنا تكمن أهمية الذاكرة في قراءة مساره: فالتأريخ للخزف لا يعني تعداد أسماء الفنانين وحدهم، وإنما تتبع ما حافظوا عليه، وما أضافوه، وكيف انتقلت مهاراتهم إلى الآخرين.

ومن ثم، فإن إنصاف بيستانيا لا يقتضي اختزال نهضة خزف آسفي في شخصه، مثلما لا يقتضي التقليل من مساهمته. فالتاريخ الذي تعرضه المؤسسة الوطنية للمتاحف تاريخ جماعي، تتقاطع فيه أدوار المعلمين المحليين والفنانين الوافدين، وتتجاور داخله الورشة والمدرسة، والمحافظة على الأشكال الموروثة وتجريب أساليب جديدة.

إنّ لِتمثال المغفور له جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه.. أثرٌ يتجاوز حدود الخزف
إلى جانب دوره التعليمي، فقد ارتبط إسم بيستانيا بإنجاز تمثال الملك الراحل محمد الخامس ممتطياً صهوة جواد، وهو العمل الذي تذكر المصادر الصحفية وجوده في بهو قصر بلدية آسفي. ويبرز هذا الأثر جانباً من تجربته في النحت، ويصل سيرته الفنية بالذاكرة الوطنية للمدينة.

وتختلف الرّوايات المنشورة بشأن سنة إنجازه؛ إذ يذكر مقال للباحث عبد الله النّملي سنة 1963، بينما يشير مقال أقدم نشره موقع «آسفي اليوم» إلى سنة 1964. وأمام هذا الاختلاف، يبقى الثابت أنه عمل يعود إلى ستينيات القرن الماضي، في انتظار حسم تاريخه الدقيق بالرجوع إلى الوثائق والأرشيفات المرتبطة به.

وبعيداً عن هذا التّفاوت الزّمني، يكتسب التّمثال أهميته من كونه أثراً مادياً يمكن الإنطلاق منه لدراسة مسار صاحبه: ظروف التكليف به، ومراحل إنجازه، ومساهمة تلامذته، ثم انتقاله من فضاء المدرسة إلى مقر البلدية، وفق الرواية التي يعرضها النملي. وهذه أسئلة تمنح البحث في سيرة الفنان بعداً توثيقياً يتجاوز الاحتفاء باسمه.

إن سيرة الفنّان مدخلٌ إلى تاريخ المدينة، إذيتيح الإهتمام ببّيستانيا إعادة طرح سؤال أوسع: كيف يُكتب تاريخ خزف آسفي؟ فمن خلال القرارات الإدارية الخاصة بالمدارس، وصور الورشات، والقطع الموقعة، وشهادات المعلمين والتلامذة، يمكن بناء سردية أكثر دقة، تحفظ أسماء المساهمين وتوضح العلاقات بين تجاربهم.

ويشير النّملي، في مقاله، إلى استمرار أسرة الفنان في البحث عن معلومات تتصل بمساره المهني في آسفي، كما ينقل شهادات عن تكوينه الفني وتجربته في المدرسة. وهو ما يؤكد أن جوانب من هذه السيرة ما زالت تحتاج إلى استكمال، وأن جمع الروايات الشفوية ومقارنتها بالوثائق يمثلان خطوة ضرورية لصونها من النسيان أو المبالغة.

ومن هذه الزاوية، يكتسب الكتاب الذي يحمل إسم بيستانيا، كما يظهر في الغلاف المرفق، دلالته بوصفه مناسبة لاستحضار تجربة فنان ارتبط اسمه بمدرسة الخزف وبتمثال محمد الخامس. غير أن تقديم قراءة تفصيلية في منهجه ومضامينه يظل رهين الاطلاع على صفحاته، لا على عنوانه وحده.

إن استعادة مسار أنجيل بيستانيا ليست مجرد إلتفاتة إلى فنان إسباني إشتغل بآسفي، بل فرصة لكتابة فصل من تاريخ المدينة بأسماء من صنعوه. فالوفاء لهذا الإرث يبدأ من توثيق الأعمال، وحفظ الشهادات، وتدقيق الوقائع، وإبراز دور المعلمين الذين جعلوا من الطين معرفة متوارثة وإبداعاً متجدداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock