ذاكرة طفل في المسيرة الخضراء

إدريس رزقي
لم يكن يتجاوز عمري إحدى عشرة سنة، حين كنت أمشي مهرولاً ضمن جماعة من الأطفال إلى جوار الطريق الوطنية، لمشاهدة طوابير الشاحنات التي تحمل على متنها حشوداً من الناس وهي تسير في صف واحد واتجاه واحد.
كان المشهد في غاية الروعة بالنسبة لنا كأطفال صغار، لا ندرك بعدُ عمق الحدث ولا أبعاده التاريخية، لكننا كنا نشعر أن شيئاً عظيماً يمر أمام أعيننا. كانت الشاحنات تتوالى بلا انقطاع، محمّلة بالرجال والنساء، وبالأعلام الوطنية، وبالمصاحف، وبالزاد القليل، وبالكثير من الحب لهذا الوطن.
وكنا نحن صغار نلوّح بأيدينا الصغيرة للعابرين أمامنا، وهم يبادلوننا التحية بمثلها، بل وأكثر منها حماساً وفرحاً. كانت وجوههم تفيض بالعزيمة والإيمان، وكانوا يرددون الشعارات الوطنية بصوت واحد يهزّ المكان، وكأن الأرض كلها تنشد معهم: الصحراء مغربية.
لم يكن ذلك مجرد مشهد عابر في طفولتي، بل كان درساً أول في الوطنية، نُقش في ذاكرتي إلى الأبد. تعلمت يومها أن حب الوطن ليس كلاماً يُقال، بل فعلٌ يُمشى إليه حافياً، ويُحمل على الأكتاف، وتُبذل من أجله الأرواح.
وما زلت إلى اليوم، كلما مرّت ذكرى المسيرة الخضراء، أعود طفلاً صغيراً على حافة الطريق، ألوّح بيدي، وأسمع في داخلي هدير تلك الشاحنات، وأرى تلك الوجوه التي مضت لتسترجع أرضاً، فاسترجعت معها كرامة أمة بأكملها.
وما زاد ذلك المشهد رسوخاً في وجداني، أنني حين كبرت أدركت أن أولئك العابرين لم يكونوا ذاهبين إلى نزهة، بل كانوا يكتبون بصدورهم العارية صفحة من أنبل صفحات التاريخ المغربي.
فقد كانوا 350 ألف متطوع، سلاحهم الوحيد المصحف والعلم، وإيمانهم بأن الحق لا يموت.
واليوم، ونحن نرى الصحراء تنبض بالحياة والتنمية، أعرف أن تلك الأيادي الصغيرة التي كانت تلوّح على حافة الطريق، كانت تلوّح في الحقيقة لمستقبل المغرب كله.



