مقالات واراء

أشجار الأطلس تنبئ بالعطش القادم: هل يستمع المغرب لصوت الجفاف قبل أن يعود؟

هند جوهري

 

تخيل أنك تقف أمام شجرة أرز عملاقة في جبال الأطلس المتوسط، عمرها يفوق الألف عام، تحكي قصتها عبر حلقاتها الخشبية كل حلقة عريضة تحتفل بسنة غزيرة الأمطار، بينما الحلقات الضيقة تصرخ بسنوات الجفاف القاسية، هذه الأشجار ليست مجرد شهود صامتين على تاريخنا المناخي؛ إنها نبوءات حية تنذر بما سيأتي.

اليوم، مع هطول الأمطار الغزيرة في ديسمبر 2025 التي رفعت مستويات السدود بنسبة تصل إلى 40% في بعض المناطق حسب بيانات وزارة الداخلية، يفرح الجميع ويتنهدون براحة. لكن هل هذا الغيث يعني نهاية “الجفاف العظيم” الذي أنهك المغرب في 2023-2024؟ أم أنه مجرد فاصل قصير في مسرحية طويلة الأمد؟….

دعونا نعود إلى جذور القصة، إلى عام 1995 تحديداً، حيث نشر الجيولوجي الفرنسي-المغربي روبير أمبروجي، أول مدير عام لمكتب المياه بالمغرب، دراسة في أكاديمية المملكة المغربية غيرت نظرتنا للمناخ، لم يعتمد أمبروجي على بيانات الأرصاد الجوية الحديثة القصيرة الأجل –التي بالكاد تغطي قرنًا–بل استلهم من “ذاكرة الأرض” الحية حلقات نمو أشجار الأرز باستخدام علم الدندروكرونولوجيا، الذي يقرأ تاريخ الطقس من خلال سمك الحلقات السنوية، وربطها بدورات الشمس (التي تتكرر كل 11 عاماً تقريباً)، كشف أمبروجي عن نمط مذهل فالجفاف في المغرب ليس عشوائياً؛ إنه دورة بنيوية تتكرر كل عقود، مع فترات جافة شديدة كل 30-40 سنة، مدعومة بتحليل نظائر الأكسجين في الخشب الذي يعكس رطوبة الجو على مدى ألف عام.

والآن، الجزء الأكثر إثارة تنبؤاته حيث رسم أمبروجي جدولاً زمنياً يضع علامة حمراء على 2023-2024 كـ”فترة جفاف خطير”، بناءً على نماذج رياضية تربط بين الدورات الشمسية والحلقات الشجرية. وماذا حدث؟ في 2023، سجل المغرب أقل هطول أمطار منذ 1920، مع انخفاض مخزون السدود إلى 20% فقط، فوفقاً لتقارير البنك الدولي ملايين الفدانات جفت، والفلاحون اضطروا لإبادة 300 ألف هكتار من المحاصيل، كما أفادت وزارة الزراعة هذا التطابق الدقيق ليس مصادفة؛ إنه إثبات لدقة العلم الذي تجاهلناه جزئياً لكن انتظروا، هل الجفاف مجرد دورة طبيعية؟ نعم، جزئياً، كما يقول المناخي الفرنسي بيير باجني الذي درس مناخ المغرب.

التباين الطبيعي (variabilité) يجلب الجفاف كل بضعة عقود.
لكن اليوم، يضخم التغير المناخي هذه الدورة إلى كارثة درجات الحرارة ارتفعت بـ1.5 درجة مئوية في المغرب منذ 1995، حسب IPCC، مما زاد التبخر بنسبة 20% وزاد شدة الجفاف ففي الدورات السابقة، كان الجفاف قاسياً لكنه قابلاً للتحمل؛ واليوم، يدمر الزراعة التي تشكل 14% من الناتج المحلي وتوظف 30% من السكان. الأمطار الحالية، رغم بركتها، لن تملأ السدود بالكامل؛ فمعظمها سطحي وسريع التبخر.

إذن، ماهو الدرس؟ إذا كانت الدراسة موجودة منذ 30 عاماً، لماذا ما زلنا نعتمد على “شاحنات الصهريج” وميزانيات الطوارئ؟ في 2024، أنفقت الدولة مليارات الدراهم على حلول مؤقتة، بينما كان يمكن الاستثمار في التحلية –مثل محطة أكادير التي تنتج 275 مليون مترمكعب يومياً– أو زراعة محاصيل مقاومة كالكينوا والسورغو. مشاريع مثل قناة النهر المغربي الكبير تبشر بالخير، لكنها تحتاج تسريعاً.

زاليوم، مع الأمطار، لدينا نافذة وقت للاستعداد، لا للاحتفال المبكر ففي النهاية، أشجار الأرز لا تكذب الجفاف سيعود في الدورة القادمة، ربما 2050-2060، أشد قسوة بفعل الاحترار والسؤال ليس عن المطر؛ إنه عنا نحن هل سنستمع لصوت الأرض ونبني استراتيجية استباقية، أم ننتظر العطش لنركض خلفه؟ المستقبل يحدق فينا من حلقات الشجرة القادمة……

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock