صناعة التفاهة.. جريمة المثقفين الصامتين

“إدريس رزقي”
في كل مرة نفتح فيها هواتفنا نسمع الجملة نفسها: “المشهد ضبابي، والتفاهة انتشرت”.
لكن قليلين هم من يسألون: من الذي سمح للتفاهة أصلاً بأن تنتشر؟ فالتفاهة ببساطة هي كل محتوى لا يضيف نفعاً ولا يترك في العقل أثراً. هي ضجيج بلا معنى، واستهلاك بلا فائدة، ووقت يُسرق من الناس تحت لافتة الإغراء والترفيه.
ويختلف مفهوم التفاهة باختلاف المؤهلات الفكرية والرصيد الثقافي من شخص لآخر. فكلٌّ يرى المسألة من موقعه بمستواه. وكلما غاب التعلّم وارتفعت نسبة غير المتعلمين، زاد استهلاك التفاهة. وما يراه البعض تفاهة قد يراه الآخر إضافةً وملءً لفراغه المعرفي.

والمثقفون هم أول من رأى الخطر قادماً. رأوا المنصات تُفتح، ورأوا الجمهور يبحث عمن يملأ فراغه. ثم صعدوا إلى أبراجهم العاجية، وجلسوا في الزاوية يراقبون الوضع. ينزلون بين الحين والآخر ليكتبوا مقالاً غاضباً عن انحدار الذوق، ويلقوا خطبة عن سطحية المحتوى، ثم يعودون إلى صمتهم. فتركوا الساحة فارغة كأن الأمر لا يعنيهم.
وعندما تُترك الساحة فارغة لا يفوز بها الأفضل، بل يفوز بها الأعلى صوتاً. فتتقدم “العاهات الثقافية”، وتتصدر التفاهة المشهد، وترفع الخوارزميات من لا يملك إلا القدرة على الصراخ والاستعراض.
والمثقف الذي يكتفي بالنقد من بعيد شريك في الجريمة. لأن المواجهة لا تكون بمقال تشخيصي كل سنة، بل بالحضور اليومي: بالكتابة، بالفيديو، بالبودكاست، بالرد، بالتعليم، بالمنافسة.فالجمهور لن يأتي إليك في البرج. أنت من يجب أن تنزل إليه.
فالتفاهة لم تنتصر لأنها قوية… بل لأن أهل الفكر انسحبوا. فلا تلوموا وسائل التواصل على ما فيها، ولوموا من تركها بلا محتوى يستحق. إما أن نصنع المحتوى، أو يُصنع لنا… وحينها لا نلوم إلا أنفسنا.



