مقالات واراء

شباب بلا أمل … حين يتحول البحث عن العمل إلى بحث عن معنى الحياة

مكتب أكادير/ هشام الزيات

في زمن تتسارع فيه الأحلام، وتتسع فيه الطموحات، وتتغير فيه ملامح الحياة بوتيرة غير مسبوقة، يقف جزء من شبابنا اليوم على هامش الفرص، لا لغياب الكفاءة أو انعدام الرغبة في النجاح، وإنما لأن شيئا أكثر خطورة بدأ يتسلل إلى نفوسهم: فقدان الأمل .

شباب أنهكته سنوات الانتظار، وأثقلته الوعود المؤجلة، وأرهقته طلبات التوظيف التي لا تجد جوابا، والمباريات التي تنتهي دون نتيجة، والشهادات التي تتحول، في كثير من الأحيان، من مفاتيح للأبواب إلى أوراق معلقة على جدران غرفهم .

في البداية، يبدأ الشاب رحلته بحماس يدرس، يتكون، يحصل على شهادته، ويضع لنفسه أحلاما بسيطة: وظيفة تحفظ كرامته، دخل يؤمن به مستقبله، وأسرة يستطيع أن يبنيها بعرق جبينه، لكن حين تطول سنوات الانتظار، ويصبح الحصول على فرصة عمل أشبه برحلة شاقة بلا نهاية، يتحول الحماس تدريجيا إلى إحباط، ثم يتحول الإحباط إلى عزوف، والعزوف إلى استسلام .

وهنا تكمن المأساة الحقيقية، فأخطر ما يمكن أن يصيب شابا ليس أن يفشل في الحصول على وظيفة، وإنما أن يفقد الإيمان بجدوى المحاولة، أن يستيقظ صباحا دون هدف، وأن يرى المستقبل نسخة مكررة من حاضر مثقل بالانتظار، وأن يصبح السؤال في داخله ليس: متى سأجد عملا؟، بل: هل هناك أصلا مكان لي في هذه الحياة؟

هناك شباب لم يعودوا يبحثون عن العمل، ليس لأنهم لا يريدون العمل، ولا لأنهم اختاروا البطالة، وإنما لأن كثرة الأبواب المغلقة جعلتهم يفقدون الثقة في إمكانية أن يفتح أحدها يوما .

شهادات جامعية، سنوات من الدراسة والتكوين، طاقات وأفكار ومواهب، ثم واقع اقتصادي واجتماعي قاس يضع كل ذلك أمام جدار البطالة والانتظار، والبطالة هنا لم تعد مجرد رقم في تقرير اقتصادي، أو وضعية اجتماعية عابرة، بل قد تتحول إلى جرح نفسي عميق، فحين يشعر الشاب بأنه غير قادر على تحقيق ذاته، ولا على إعالة نفسه، ولا على بناء مستقبله، قد يجد نفسه تدريجيا أسيرا للعزلة والإحباط، وقد تدفعه قسوة الواقع إلى التفكير في الهجرة، أو الارتماء في أحضان اليأس، أو الانحراف، أو البحث عن أي طريق يمنحه إحساسا مؤقتا بأنه ما زال موجودا وله قيمة في هذه الحياة .

لكن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية ما آلت إليه أوضاعهم سيكون ظلما لهم، إنها مسؤولية مشتركة تتحملها الدولة والمجتمع والقطاعان العام والخاص والمؤسسات التعليمية، وكل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، فالشباب لا يحتاج إلى خطابات موسمية عن المستقبل، بقدر ما يحتاج إلى فرص حقيقية، وإلى سياسات عمومية قادرة على تحويل الشهادات إلى كفاءات منتجة، وربط التعليم والتكوين بحاجيات سوق الشغل، وتشجيع الاستثمار والمبادرات والمشاريع الصغيرة، وفتح المجال أمام الطاقات الشابة لتثبت ذاتها .

إن الشاب لا يطلب المستحيل، إنه يريد فرصة فقط، يريد أن يشعر بأن سنوات الدراسة لم تكن عبثا، وأن كفاءته لها قيمة، وأن الاجتهاد لا يذهب دائما سدى، وأن الوطن الذي تربى فيه يمكن أن يمنحه فرصة ليعيش فيه بكرامة، لا أن يدفعه إلى التفكير في مغادرته بحثا عن مستقبل لا يراه في بلده،
شبابنا لا يحتاج إلى وظيفة فقط، بل يحتاج إلى أمل .

يحتاج إلى من يقول له إن الطريق، مهما طال، لم ينته، وإن المستقبل لم يغلق، وإن الفشل ليس قدرا، وإن المحاولة تستحق دائما فرصة أخرى، فحين نمنح شابا فرصة عمل، فإننا لا نمنحه راتبا في نهاية الشهر فقط، بل نمنحه شيئا أكبر بكثير: كرامته، وثقته بنفسه، وإحساسه بقيمته، وقدرته على بناء مستقبله والمساهمة في بناء وطنه .

وحين نتركه وحيدا أمام اليأس، فإننا لا نخسر فردا واحدا فحسب، بل نخسر طاقة بشرية وعقلا مبدعا وحلما كان يمكن أن يتحول إلى مشروع، ومشروعا كان يمكن أن يصبح قيمة مضافة للمجتمع، ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرق الجميع اليوم ليس فقط: كم عدد الشباب العاطلين عن العمل؟
بل السؤال الأكثر قسوة:
كم من شاب توقف عن البحث عن العمل لأنه توقف عن الإيمان بأنه سيجده؟

إنقاذ الشباب من اليأس ليس ترفا، وليس شأنا مؤجلا إلى حين تحسن الظروف الاقتصادية، بل هو مسؤولية وطنية واجتماعية وإنسانية .

فالشاب الذي يفقد وظيفته يمكن أن يجد أخرى، والشاب الذي يفشل في مباراة يمكن أن ينجح في أخرى، لكن الشاب الذي يفقد الأمل يحتاج إلى أكثر من وظيفة، يحتاج إلى يد تمتد إليه، وإلى مؤسسة تؤمن بقدراته، وإلى مجتمع يسمع صوته، وإلى مستقبل يشعر أنه قادر على الوصول إليه .

لأن الأوطان لا تبنى فقط بالمشاريع والطرق والمباني، وإنما تبنى قبل كل شيء بالإنسان، وحين نحافظ على أمل شبابنا، فإننا لا ننقذ جيلا من الضياع فحسب، بل نحمي مستقبل وطن بأكمله، فالأمة التي تفقد الأمل في شبابها، تفقد جزءا من مستقبلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock