ثقافة وفن

خزف أسفي: إرث عريق يمتد لقرون

من تلّ الصنّاع إلى المختبرات العلمية

مكتب أسفي، فؤاد الياجيزي

تُعد مدينة أسفي الساحلية العاصمة المغربية بلا منازع لصناعة الخزف والفخار، حيث يجتمع عبق التاريخ وإبداع الأيدي الحرفية لإنتاج قطع فنية تُعرض في متاحف العالم.
وعلى “تل الخزف”، الذي يحتضن أكثر من 200 ورشة يعمل بها نحو 2000 حرفي، تستمر الأجيال المتعاقبة في الحفاظ على هذا التراث العريق، مستفيدة من الطين عالي الجودة الذي تزخر به المنطقة.


رواد الصناعة: أسماء خلدت التاريخ

برز عبر تاريخ هذه الصناعة أسماء لامعة، يتصدرهم المعلم بوجمعة العملي (1890-1971)، أبو الخزف الحديث في أسفي، الذي تلقى تكوينه في الجزائر وباريس قبل أن يؤسس مدرسة وورشة تجريبية أعادت تعريف ألوان وأشكال الخزف الآسفي.
وإلى جانب العملي، برزت أسماء أخرى خلدها التاريخ، منها أحمد بن إبراهيم الفخاري، والطيب الوزاني، وعبد القادر لغريسي، والمعلم الصويري، وإبراهيم بنهيمة، كما تبرز عائلات عريقة حافظت على هذا الإرث عبر أجيال متتالية، منها عائلة السرغيني التي يقودها اليوم يونس السرغيني، الحائز على لقب أفضل صانع تقليدي في المغرب سنة 2016، وعائلة الرباطي التي يمثل محمد سنتيل الرباطي فيها الجيل التاسع.
ومن حيث فن الزخرفة فبصمة أسفي الزرقاء
تميز خزف أسفي عن غيره بتقنية الحرق المزدوج التي تمنحه لمعاناً فريداً، وبألوانه الزاهية، خاصة الأزرق الكوبالتي الذي يُعد signature الخزف الآسفي، بالإضافة إلى الأصفر والبرتقالي والأخضر والبنفسجي، التي تُرسم عليها زخارف هندسية ونباتية تعكس التأثيرات الأندلسية والفارسية.
وتتولى مهمة التزويق حرفيات وحرفيون متخصصون، يُطلق عليهم “الزوّاقة”، من بينهم نساء ورثن المهنة عن أمهاتهن وجداتهن.
ولم يعد خزف أسفي مقتصراً على الأواني التقليدية والقطع الفنية فحسب، بل امتد إلى مجالات صناعية وتكنولوجية متقدمة، بفضل الجهود البحثية التي تقودها المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بأسفي (ENSA Safi).
ففي أبريل 2010، نظمت المدرسة بالشراكة مع المدرسة الوطنية العليا للسيراميك الصناعي في ليموج بفرنسا، الندوة الدولية الأولى للسيراميك (CI-CERAM1)، التي جمعت باحثين وخبراء من المغرب وفرنسا ودول أخرى لمناقشة آخر التطورات العلمية في مجال السيراميك.
وتناولت الندوة محاور شملت تثمين الموارد الطبيعية، ومعالجة المواد الأولية للخزف، وتقنيات الخزف التقليدي والتقني، وتطبيقات الخزف في المجالات الطبية والصناعية، والزجاج والسيراميك الحيوي، والمواد النانوية.
وتوالت نسخ هذه الندوة، حيث نُظمت النسخة الثالثة في 2014 والنسخة الرابعة لاحقاً، لتصبح حدثاً علمياً دورياً يجمع بين الصناع التقليديين والباحثين الأكاديميين.
ومعلوم لدى العارفين أن الخزف استعمالات من المطبخ إلى المستشفى إذ تشمل استعمالات الخزف الحديث مجالات متعددة تتجاوز الأواني المنزلية والديكور، لتشمل القطاع الطبي عبر إنتاج السيراميك الحيوي المستخدم في زراعة العظام والأسنان، والقطاع الصناعي في صناعة العوازل الحرارية والكهربائية، وقطاع البناء، والتكنولوجيا المتقدمة في صناعة المواد النانوية.
وعن التحديات والآفاق،فرغم الإشعاع الدولي، فخزف أسفي يواجه تحديات كبيرة، أبرزها منافسة المنتجات المصنعة رخيصة الثمن، وصعوبة الوصول إلى الأسواق الدولية، ونزيف هجرة الحرفيين الشباب.
غير أن المبادرات الحديثة، مثل دمج تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد في الإنتاج، وتنظيم معارض دولية، وإشراك الجامعات في البحث والتطوير، تُبشر بمستقبل واعد لهذا التراث العريق.
وبفضل جهود صناع مشهود لهم بالمهارة مثل يونس السرغيني ولطيفة الزيواني، والأجيال الشابة التي تتشكل في ورشات “تل الخزف” ومقاعد ENSA Safi، يظل خزف أسفي شامخاً، يجمع بين أصالة الماضي وابتكارات المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock