أخبارتعليم وتربية

عسر القراءة ليس فشلاً دراسياً

أكتوبر شهر كامل للتوعية بهذا الاضطراب و دعوة إلى تفعيل الدمج والتشخيص المبكر

اسفي – فؤاد الياجيزي

يحلّ اليوم العالمي لعسر القراءة Dyslexie، الذي يُحتفل به سنوياً في 8 أكتوبر، ويستمرّطيلة الشهر ليذكّر الرأي العام والمؤسسات التعليمية بأن الصعوبات في القراءة والكتابة قد تكون اضطراباً عصبياً نمائياً محدداً، وليست دلالة على ضعف الذكاء أو التهاون الدراسي.

ويسعى هذا الموعد إلى تعزيز الوعي المجتمعي، والكشف المبكر، وتبنّي مقاربات تربوية دامجة تمنع تحوّل صعوبة قابلة للمعالجة إلى إقصاء مدرسي.

وإذا كانت هذه الصعوبة خفية لا تُرى
فعسر القراءة يظل اضطراب تعلّم محدّد يتمثّل أساساً في صعوبات في فكّ رموز الكتابة، والقراءة بطلاقة، والإملاء، وأحياناً في التنظيم الكتابي، رغم توفّر المتعلم على قدرات ذهنية وحِسِّية طبيعية.

غير أن الأطفال المصابين به قد يُخطَؤ في تقديرهم داخل الفصل، إذ يُنظر إليهم أحياناً على أنهم كسالى أو غير منتبهين، بينما يحتاجون في الحقيقة إلى تدخلات تربوية متخصصة ودعم نفسي واجتماعي.

ويؤكّد المُدافعون عن الدّمج أن التّشخيص المُبَكّر يظلّ العامل الحاسم؛ إذ يسمح بتكييف طرائق التعلم، والإستعانة بموارد بصرية وسمعية، وتقسيم المهام، ومنح وقت إضافي في التقييمات، بدل الاكتفاء بالعقوبات أو تكرار السنة الدراسية.

و يشمل النهج الملائم تدخُّل أخِصّائيي النُّطق واللّغة والمختصين النفسيِّين بالتنسيق مع الأسرةوالمدرسة.

ويبقى المغرب أمام تحدٍّ مزدوج، ففي السياق المغربي، تكتسب هذه المناسبة أهمية خاصة في ظل مُؤشرات تُظهر أن ضعف مهارات القراءة لا يقتصر على الحالات المرتبطة بعسر القراءة، بل يمسّ شريحةً واسعة من التلاميذ.

فقد كشفت نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ PISA 2025 أن 13% فقط من التلاميذ المغاربة في سن الخامسة عشرة بلغوا الحدَّ الأدنى من الكفايات في القراءة، مقابل 69% في متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

كما أن نحو 87% من التلاميذ المشاركين في التقييم لم يبلغوا المستوى الأساسي في القراءة، وهو ما يضع قدرة المدرسة المغربية على تحويل سنوات التّمدرُس إلى تعلم فعلي أمام اختبار صعب، خصوصاً في سياق الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

وتكشف هذه الأرقام عن الحاجة إلى التّمييز بين مشكلين متلازمين: أولهما صعوبات تعلُّم مُحدّدة مثل عُسر القراءة، وثانيهما ضعف عام في جودة إكتساب مهارات القراءة داخل المنظومة التعليمية.

وحسب أخصّائيين تبقى معالجة الأول تتطلب تشخيصاً فردياً وتكفيصاً تربوياً، بينما تتطلب الثانية إصلاحاً بنيوياً يشمل تكوين المُدرِّسين، وتحسين طرائق التعلم، و الإستثمار في التقييم والدعم البيداغوجي.

وفي إطار الإنتقال من الوعي بالحالة إلى سياسات فعلية،
يتطلب الإحتفاء بهذا اليوم تجاوز الخطاب الرّمزي نحو إجراءات ملموسة، أبرزها:
• إدماج الكشف المُبكّر عن صعوبات التّعلّم في المتابعة الصحية والتربوية للتلاميذ.
• تكوين المُدرِّسين على رصد العلامات المبكرة وعلى استراتيجيات التّدريس الملائمة.
• تعزيز حضور الأخصّائيّين النّفسِيِّين وأخِصّائيي النُّطق واللّغة في المؤسسات التعليمية.
• تكييف الإمتحانات والتّقييمات بما يضمن تكافُؤ الفُرص للتلاميذ ذوي عسر القراءة.
• تنظيم حملات تحسيسية مُوَجّهة للأُسر لكسر الوَصْمة المُرتبطة بصعوبات التعلم.

وتبقى مسألة الإدماج مدرسياً اختباراً حقيقياً لإلتزام الحكومة والقطاعات المعنية بمبدأ حق كل طفل في التعلم وفق إيقاعه وقدراته.

فالطفل الذي يعاني من عسر القراءة لا يحتاج إلى شفقة أو وصم، بل إلى تشخيص دقيق، ومُرافقة مُتَخصِّصَة، وبيئة صَفِّيَة تمنحه فرصة حقيقية للنجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock