ليلى العطار.. حكاية فنانة عراقية عبرت من بغداد إلى الذاكرة

تمار عامر
من بغداد التي لا تموت، أكتب عن الفنانة التشكيلية العراقية ليلى العطار (1944-1993)، التي تركت بصمتها في مسيرة الفن العراقي الحديث. لم تكن اللوحة بالنسبة إليها مساحة للألوان وحدها، بل لغة للتعبير عن المرأة والطبيعة والوجود. وبين تجربتها الفنية والنهاية التي ارتبطت باسمها، تبقى حكايتها جديرة بأن تُروى من زاوية تتجاوز المأساة إلى ما تركته من أثر إبداعي.
ظهرت موهبة ليلى العطار في سن مبكرة، وفازت عام 1955 بجائزة شانكر الدولية للرسم في الهند، وهي في العاشرة من عمرها، ضمن فئة عمرية مخصصة لمن هم بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة، وفقاً لما ورد في شهادة أسرتها المنشورة بمجلة «أزهار الحرف» عام 2023. وواصلت دراستها ومسيرتها المهنية في بغداد، وتولت إدارة المتحف الوطني للفن الحديث في العراق، لتجمع بين العمل الإبداعي والمسؤولية الثقافية.
وخلف الفنانة التي عرفها الوسط الثقافي، كانت هناك امرأة تصفها ابنتاها بالهدوء والرقة والكرم، وبحب الطبيعة والحيوانات. وفي حوارهما مع مجلة «أزهار الحرف»، تحدثتا عن شخصية والدتهما التي كانت تستمع إلى الآخرين باهتمام، وتعبّر عن آرائها بثقة وهدوء، فيما انعكست جرأتها في تناول موضوعات المرأة في أعمالها.
في لوحات ليلى العطار، تحضر المرأة ضمن علاقة رمزية بالطبيعة والأرض، وتتداخل صورتها مع عناصر السماء والمحيط الطبيعي. وبحسب شهادة ابنتيها، لم تكن هذه الأعمال انعكاساً للحزن كما قد يظن بعض المتلقين، بل حملت شاعرية وإحساساً روحياً وتأملاً في علاقة الإنسان بمحيطه.
فاللون والرمز في تجربتها لا يقدمان معنى واحداً مغلقاً، بل يتركان للمشاهد مساحة للتأويل. ومن هنا تتجلى خصوصية الفن التشكيلي، حين تتحول اللوحة من صورة مرئية إلى سؤال مفتوح عن الحياة والهوية والوجود.
في 27 يونيو 1993، فقدت ليلى العطار وزوجها عبد الخالق جريدان حياتهما خلال القصف الأميركي الذي استهدف مواقع في بغداد. ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمها بروايات متعددة، من بينها رواية ربطت الهجوم بلوحة قيل إنها تحمل صورة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب، مرسومة على أرضية فندق الرشيد.
غير أن شهادة أسرتها تطرح تفاصيل تستحق التوقف عندها. ففي لقاء مع برنامج «هن» على قناة الشرقية، بعنوان «ابنة ليلى العطار: والدي ووالدتي لم يستشهدا في منزلهما»، أوضحت إحدى بنات الفنانة أن والديها لم يكونا داخل منزلهما لحظة القصف، خلافاً لما تداولته روايات سابقة. كما شككت ابنتها، في حوار مجلة «أزهار الحرف»، في صحة الرواية التي ربطت والدتها برسم صورة بوش، وقالت إن الصورة رسمها فنان آخر.
وتعيد هذه الشهادة فتح النقاش حول تفاصيل الحادثة والروايات التي أحاطت بها. لكن الدقة الصحفية تقتضي التمييز بين ما ترويه الأسرة وما تؤكده الوثائق التاريخية المستقلة، خصوصاً في الوقائع التي ظلت محل اختلاف. فاستعادة سيرة ليلى العطار لا تعني الاكتفاء بقصة رحيلها، بل تقتضي أيضاً النظر إلى تجربتها الفنية بعيداً عن الروايات التي طغت عليها.
إن الكتابة عن ليلى العطار تتيح نافذة على جانب من تاريخ الفن العراقي، وعلى تجربة امرأة شقت طريقها في الحياة الثقافية وتركت أعمالاً تستحق التأمل. كما تفتح مجالاً للتعارف الثقافي بين العراق والمغرب، حيث تصبح التجارب الفنية جسوراً لفهم الذاكرة الإنسانية، من دون أن تفقد خصوصيتها أو صلتها بالمكان الذي نشأت فيه.
تظل ليلى العطار اسماً يستحق أن يُستعاد من خلال لوحاتها ومسيرتها، لا من خلال الحكايات المحيطة بوفاتها وحدها. فبعض الأعمال الفنية تتجاوز زمن أصحابها، وتظل قادرة على طرح الأسئلة بعد سنوات طويلة من إنجازها. وفي تجربة العطار، تتسع الألوان لما لا تقوله الكلمات، ويظل الفن طريقاً آخر لقراءة الإنسان والعالم.



