نزيهة الدليمي.. المرأة التي تركت أثراً أبعد من الوزارة

✍️ تمار عامر
لم تكن نزيهة الدليمي تبحث عن مكان لها في الصورة، بقدر ما كانت تريد أن تغيّرها؛ صورة المرأة التي اعتاد المجتمع أن يضعها في الهامش، فيما تُتخذ القرارات بعيداً عن صوتها.
وُلدت الدليمي في بغداد عام 1923، واختارت دراسة الطب، فتخرجت طبيبة عام 1948. لكن اهتمامها لم يتوقف عند علاج المرضى، بل امتد إلى قضايا الفقر والعدالة وحقوق النساء، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه النسائية في الحياة السياسية والاجتماعية العراقية.
وفي عام 1959، دخلت التاريخ بوصفها أول امرأة تتولى منصباً وزارياً في العراق والعالم العربي، حين تولت وزارة البلديات في عهد عبد الكريم قاسم. لم يكن المنصب مجرد سابقة سياسية، بل علامة على حضور امرأة عراقية في موقع ظل طويلاً حكراً على الرجال.
وكانت الدليمي من المؤسِّسات لرابطة المرأة العراقية، التي عملت على توعية النساء بحقوقهن والدفاع عن مشاركتهن في المجتمع والأسرة. وفي تلك المرحلة، ارتبط اسم الحركة النسائية العراقية بمطالب الإصلاح القانوني والاجتماعي، ومن بينها قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، الذي مثّل تحولاً مهماً في تنظيم شؤون الأسرة.
وتكشف شهادة الكاتبة سلوى زكو جانباً إنسانياً من شخصية الدليمي، بعيداً عن المناصب والألقاب. فقد تذكرتها زكو، التي التقتها في موسكو مطلع عام 1963، امرأة بسيطة ودافئة، لا تتكلف في مظهرها ولا تتردد في الدفاع عن قضايا النساء. وروت كيف كانت الدليمي تتعامل مع مشكلاتهن بحكمة وقرب من الناس، مستعينة بلغتها العراقية البسيطة لتوصل رسالتها وتدفع الآخرين إلى مراجعة مواقفهم.
لكن حضورها السياسي لم يحمها من تقلبات العراق. فبعد انقلاب عام 1963، غادرت البلاد إلى المنفى، وأقامت في براغ، قبل أن تعود إلى بغداد عام 1968. ثم غادرت العراق مجدداً عام 1979، لتعيش في ألمانيا حتى وفاتها في التاسع من تشرين الأول عام 2007.
رحلت نزيهة الدليمي، لكن حكايتها بقيت جزءاً من تاريخ المرأة العراقية؛ امرأة لم تختصر حياتها في الوزارة التي تولتها، بل امتد أثرها إلى كل خطوة قرّبت النساء من حقوقهن ومن المشاركة في صناعة مستقبل بلدهن.
فبعض الأسماء لا تبقى لأنها شغلت منصباً، بل لأنها ساهمت في فتح الطريق أمام من جئن بعدها.



