Verity.. حين تصبح الحقيقة أكثر غموضاً من الخيال

بقلم: تمار عامر
ليس كل ما نقرأه حقيقة، وليس كل ما نراه أمامنا يكشف ما تخفيه النفوس. أحياناً تبدأ الحكاية من ورقة صغيرة، لكنها تقودنا إلى عالم كامل من الأسرار والشكوك، حيث يصبح من الصعب معرفة من يقول الحقيقة ومن يجيد إخفاءها.
هذا ما يقدمه فيلم Verity، المقتبس من رواية الكاتبة الأمريكية كولين هوفر، في عمل يمزج بين التشويق النفسي والغموض والعلاقات الإنسانية المعقدة، بمشاركة آن هاثاواي وداكوتا جونسون وجوش هارتنت، وإخراج مايكل شوالتر.
تبدأ الحكاية مع لوين آشلي، كاتبة شابة تعيش ظروفاً مهنية ومالية صعبة، قبل أن تحصل على فرصة للعمل على استكمال سلسلة روائية شهيرة للكاتبة فيريتي كروفورد، التي لم تعد قادرة على الكتابة بعد تعرضها لحادث خطير.
تنتقل لوين إلى منزل عائلة كروفورد في ولاية فيرمونت، لتبدأ البحث في أوراق الكاتبة وملاحظاتها، لكنها لا تجد ما كانت تبحث عنه، بل تعثر على مخطوطة شخصية تحمل اعترافات غريبة وصادمة عن حياة فيريتي وعلاقتها بأطفالها، وتفتح أمامها أبواباً من الأسئلة التي لم تكن مستعدة لمواجهتها.
مع كل صفحة تقرؤها، تتغير نظرتها إلى المرأة التي جاءت لتكمل رواياتها. فالمخطوطة لا تتحدث عن حياة عادية، بل تكشف وجهاً مظلماً يثير الشكوك حول أحداث مأساوية شهدتها العائلة، ويجعل لوين تتساءل عما إذا كانت فيريتي مجرد كاتبة تعيش خلف شخصياتها الخيالية، أم أن ما كتبته يحمل اعترافات حقيقية.
وفي الوقت نفسه، تنشأ علاقة عاطفية بينها وبين جيريمي، زوج فيريتي، لتجد نفسها وسط مشاعر متشابكة وأسئلة تزداد صعوبة. أما فيريتي، التي تبدو عاجزة عن الحركة والكلام، فتظل حاضرة بقوة في تفاصيل المكان، وكأن صمتها يخفي حكاية أخرى.
لكن أكثر ما يميز Verity أن الغموض لا يتوقف عند أحداث الفيلم، بل يمتد إلى الرواية نفسها. فمنذ صدورها انقسم القراء إلى فريقين؛ فريق يصدق المخطوطة وما ورد فيها من اعترافات، وفريق يرى أن رسالة أخرى تركتها فيريتي تكشف أن تلك الاعترافات لم تكن سوى تجربة أدبية لكتابة شخصية شريرة.
وهذا الخلاف لم ينتهِ مع انتقال الرواية إلى الشاشة، بل عاد بقوة، خصوصاً أن كولين هوفر نفسها تحدثت عن تغير نظرتها إلى شخصياتها بعد إعادة قراءة الرواية ومشاهدة العمل السينمائي. فقد وجدت نفسها أكثر تعاطفاً مع فيريتي، وأقل يقيناً بشأن الحقيقة التي كانت تميل إلى تصديقها سابقاً.
ويبدو أن هذا التردد هو أحد أسرار نجاح الحكاية؛ فالمشاهد لا يجد أمامه شخصية يمكن الوثوق بها تماماً، ولا رواية واحدة يمكن اعتبارها الحقيقة النهائية. حتى الممثلون اختلفوا في تفسير الأحداث، إذ مالت آن هاثاواي وداكوتا جونسون إلى تصديق رواية الرسالة، بينما ترك جوش هارتنت الحكم للجمهور.
سينمائياً، يعتمد الفيلم على أجواء المنزل الغامض، وتفاصيل المكان، ونظرات الشخصيات وصمتها، ليصنع حالة من التوتر المستمر. كما يمنح حضور آن هاثاواي شخصية فيريتي ثقلاً خاصاً، رغم أن مساحة الشخصية في الفيلم لا تكشف كل التعقيد النفسي الذي رسمته الرواية.
ومع أن الاقتباس السينمائي اختصر بعض التفاصيل وغيّر أجزاء من الحكاية، فإنه حافظ على السؤال الأساسي الذي جعل الرواية مثار نقاش واسع: هل نصدق ما كتبته فيريتي في مخطوطتها، أم نصدق الرسالة التي تنفي تلك الاعترافات؟
ربما لا تكمن قوة Verity في الإجابة عن هذا السؤال، بل في قدرته على إبقائه حاضراً حتى بعد انتهاء المشاهدة. فحين تنطفئ الشاشة، تبقى الشخصيات في ذهن المشاهد، ويبدأ هو أيضاً بإعادة ترتيب الأحداث والبحث عن الحقيقة بين الكلمات والمواقف.
إنها حكاية تذكرنا بأن الإنسان ليس دائماً كما يبدو، وأن الكتابة قد تكشف ما تخفيه النفوس، لكنها قد تكون أيضاً ستاراً يخفي وراءه حقيقة أخرى.
وفي النهاية، يتركنا الفيلم أمام احتمالين، من دون أن يمنحنا يقيناً كاملاً؛ وكأن الحقيقة نفسها اختارت أن تبقى خارج صفحات الرواية وخلف أبواب القصر.



