دولي

ما أعظمك يا أبي فأنت ما في حياتي

 

محمد أوفطومة/مكتب وجدة

كنت على موعد إجراء المقابلة الشخصية الأولى في حياتي للحصول على وظيفة مرموقة في إحدى المؤسسات الكبرى.

وإن تم توظيفي، سأترك هذا البيت الكئيب إلى غير رجعة وسأرتاح من توبيخات أبي الدائمة لي.

نهضت في الصباح الباكر و إستحممت و إرتديت أحسن الثياب وتعطرت و بادرت بالخروج فإذا بيدٍ تربت على كتفي عند الباب.

إلتفتت فإذا أبي متبسما رغم ذبول عينيه وظهور أعراض المرض واضحة على وجهه….

ناولني بعض النقود وقال لي أريدك منك أن تكون إيجابيا و واثقا من نفسك ولا تهتز أمام لجنة الإمتحان.

تقبلت النصيحة على مضض وابتسمت وأنا أتأفف من داخلي، حتى في هذه اللحظات لا يقف عن تقديم النصائح وكأنه يريد تعكير مزاجي في أسعد أوقات حياتي.

خرجت من البيت مسرعا و ركبت سيارة أجرة وتوجهت إلى الشركة.

وما إن وصلت ودخلت من بوابة الشركة حتى تعجبت كل العجب !!!

فلم يكن هناك حراس عند الباب ولا موظفو إستقبال ما عدا لوحات إرشادية توجهك لمكان المقابلة.

و ما إن دخلت من الباب لاحظت أن مقبض الباب قد خرج من مكانه وأصبح عرضة للكسر إن إصطدم به أحد.

فتذكرت نصيحة أبي لي عند خروجي من المنزل بأن أكون إيجابيا، فقمت على الفور برد مقبض الباب إلى مكانه وأحكمته جيدا.

ثم تتبعت اللوحات الإرشادية ومررت بحديقة الشركة فوجدت الممرات غارقة بالمياه التي كانت تطفو من أحد الأحواض الذي إمتلأ بالماء عن آخره. وقد بدا أن البستاني قد إنشغل عنه. فتذكرت تعنيف أبي لي على هدر المياه فقمت بسحب خرطوم المياه من الحوض الممتلئ ووضعته في حوض آخر مع تقليل ضخ الحنفية حتى لا يمتلئ بسرعة إلى حين عودة البستاني.

ثم دخلت مبنى الشركة متتبعا اللوحات و أثناء صعودي على الدرج لاحظت الكم الهائل من مصابيح الإنارة المضاءة ونحن في وضح النهار فقمت لا إراديا بإطفائها خوفا من صراخ أبي الذي كان يصدح في أذني أينما ذهبت.

إلى أن وصلت إلى الدور العلوي ففوجئت بالعدد الكبير من المترشحين لهذه الوظيفة

قمت بتسجيل إسمي في لائحة المتقدمين للوظيف وجلست أنتظر دوري وأنا أتمعن في وجوه الحاضرين وملابسهم لدرجة جعلتني أشعر بالدونية من ملابسي وهيئتي أمام ما رأيته. والبعض يتباهى بشهاداته الحاصل عليها من الجامعات الأمريكية.

ثم لاحظت أن كل من يدخل المقابلة لا يمكث إلا أن يخرج في أقل من دقيقة.

فقلت في نفسي إن كان هؤلاء بأناقتهم وشهاداتهم قد تم رفضهم فهل سأقبل أنا ؟؟؟!!!

فهممت بالانسحاب والخروج من هذه المنافسة الخاسرة بكرامتي قبل ان يقال لي نعتذر منك.

فتذكرت نصيحة أبي وأنا خارج من البيت يقول لي، ريدك أن تكون إيجابيا واثقا من نفسك فبقيت منتظرا دوري وكأن كلامه قد أعطاني شحنات ثقة بالنفس غير عادية .

ما هي الا دقائق فإذا بالموظف ينادي على اسمي للدخول.

دخلت غرفة المقابلة وجلست على الكرسي في مقابل ثلاثة أشخاص نظروا إلي و إبتسموا إبتسامة عريضة ثم قال أحدهم متى تريد أن تستلم الوظيفة ؟؟

فدهشت لوهلة و ظننت كأنهم يسخرون مني أو أنه أحد أسئلة المقابلة ووراء هذا السؤال ما وراءه.

فتذكرت نصيحة أبي لي عند خروجي من المنزل بألا أهتز وأن أكون واثقا من نفسي.

فأجبتهم بكل ثقة : بعد أن أجتاز الإختبار بنجاح إن شاء الله.

 

فقال آخر لقد نجحت في الإمتحان و حسم الأمر.

فقلت و لكن لا أحدا منكم سألني سؤالا واحدا !!!

 

فقال الثالث نحن نعي جيدا أنه من خلال طرح الأسئلة فقط لن نستطيع تقييم مهارات أي من المتقدمين.

ولذا قررنا أن يكون تقييمنا للشخص عمليا …

 

فصممنا مجموعة إختبارات عملية تكشف لنا سلوك المتقدم ومدى الإيجابية التي يتمتع بها ومدى حرصه على مقدرات الشركة، فكنت أنت الشخص الوحيد الذي سعى لإصلاح كل عيب تعمدنا وضعه في طريق كل متقدم، وقد تم توثيق ذلك من خلال كاميرات مراقبة وضعت في كل أروقة الشركة.

حينها فقط إختفت كل الوجوه أمام عيني ونسيت الوظيفة والمقابلة وكل شئ …

ولم أعد أرى إلا صورة أبي !!!

ذلك الباب الكبير الذي ظاهره القسوة ولكن باطنه الرحمة والمودة والحب والحنان والطمأنينة.

شعرت برغبة جامحة في الرجوع إلى البيت والإنكفاء لتقبيل يديه و رجليه.

لماذا لم أرى أبي من قبل؟؟؟

كيف عميت عيناي عنه و تجاهلت حنانه، عن العطاء بلا مقابل …

عن الحنان بلا حدود …

عن الإجابة بلا سؤال …

عن النصيحة بلا إستشارة …

لا تتأففوا من كثرة نصائح أبآئكم ، فإن من ورائها حبا كبيرا ستعلمونه يوما ما …و عندما تكونوا في وضعهم .. ربي إرحمهما كما ربياني صغيرا ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock