
محمد نشوان/ مكتب مراكش
في كتابيه “تاريخ الطبخ المغربي” و”معجم الطبخ المغربي والعالمي” ينقلنا الراحل الحسين الهواري -الباحث في التراث المغربي- إلى جولة عبر الزمن لنتعرف على تاريخ واحدة من أعرق الأطباق المغربية. انه طبق الحريرة الذي لابد من تواجده فوق مائدة الإفطار…
حساء الحريرة هو طبق غذائي ممتاز، يتكون من اللحم والحمص والعدس والطماطم والكرفس و الشعرية و غيرها ، هو جزء لا يتجزأ من تقاليدنا العريقة، وبالنسبة للكثيرين فهو طبق متكامل، إنه جزء من تراث المغرب الموغل في القدم.
الجذور التاريخية لحساء “الحريرة”
فبالرجوع إلى العصر الروماني، نجد أثرا لهذا الحساء في الأطعمة التي أوصى بها القادة الرومان للجنود و مصارعي الأسود في شمال أفريقيا، و خاصة للمتدربين على القتال و مبارزة الأسود الضارية المجلوبة من جبال الأطلس المغربية ،و التي شكلت في العصر الروماني أكبر مورد لتلك الحيوانات المفترسة ، لإقامة احتفالات المبارزة الدموية في الكولوسيوم بروما أو في المدن الرومانية المزدهرة على امتداد الإمبراطورية الكبرى كوليلي
في كتابه الضخم” دي كوكينيرا De Quoquinera” الذي يعد حتى اليوم أكبر معجم للطبخ الروماني, يشير إلى حساء الحريرة مؤرخ فن الطبخ الروماني “ماركوس جافيوس أبيسيوس Apicius “، والذي يعتبر الطباخ الذي خدم الأباطرة “أوغسطس وتيبريوس” وعاش ما بين 25 قبل الميلاد و 37 م “.
كما نجد ايضا الإشارة الواضحة عند الشاعر اللاتيني الكبير “Juvenal جوفينال ” تحت مصطلح ” موليسيا “.
كما هو الحال في إشارة واضحة أخرى عند المؤرخ الروماني” سويطونيوس Suetonius” في ذكره للجيتول سكان جبال الأطلس و نمط حياتهم، كما نجد إشارة أخرى عند “Vergilius فيرجيل” أب الأدب الروماني و اللاتيني في “مأدبة الفلاسفة “والمعروفة “بمأدبة المتصوفين “، و هي أشهر إشارة واضحة يمكن الإعتماد عليها في أصل هذا النوع من الأطعمة.
عمر الحريرة المغربية إذن يعود إلى حوالي 2200 سنة حسب ما هو متوفر من مصادر ووثائق تاريخية مدونة عنها، فقد شكلت لعصور وجبة عسكرية بامتياز للجنود وللمصارعين والأبطال الأقوياء” Gladiator
و تعتبر الحريرة أقدم طبخة مغربية موثقة في التاريخ، و بالرجوع إلى الوثائق المتوفرة فقد بدأ تحضيرها قبل 22 قرنا، وربما قبل ذلك، نظرا لانعدام توفر الوثائق المكتوبة قبل هذا التاريخ، وتشير هذه المصادر إلى القرن الأول قبل الميلاد، تماما في عصر الإمبراطور “سايلا” و حاكم موريتانيا “روتولوس روفوس” و بعد نهاية الحرب البونيقية الثالثة. إذن يمكننا القول إنه في العصر الروماني بالضبط بدأ تناول هذا الطبق و منذ ذلك الحين انتشر هذا الطعام في المغرب.
الوثيقتان إحداهما للمؤرخ الشاعر اللاتيني الكبير Juvenal “جوفينال “، و الثانية للمؤرخ “سويطونيوس Suetonius” تشيران إلى أن الحريرة كانت طعاما خاصا بشعب الجيتول “الأمازيغي ” الذي يسكن جبال الأطلس، وهذا يسبق بقرن اتخاذها وجبة عسكرية رومانية ووجبة للمصارعين.
وفي عصر المرينيين( القرن 14 م ) ذكرها الرحالة المغربي “ابن بطوطة الطنجي” في كتابه “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار “. ففي سياق حديثه عن فطور أهل الهند، يقول ابن بطوطة : ( …وعليه يفطرون كل يوم ، وهو عندهم كالحريرة ببلاد المغرب …).
وهكذا، فقد ترسخت “الحريرة” في النمط الغذائي المغربي منذ القديم حتى وقتنا الحاضر ، بل تكاد لم تتغير باستثناء إضافة الطماطم إليها، ومعروف أن الطماطم عنصر جديد في العالم أتى إلى حوض البحر الأبيض المتوسط بعد القرن الخامس عشر الميلادي، بواسطة البرتغاليين والإسبان بعد اكتشاف العالم الجديد، وهي الإضافة الوحيدة لهذه الوجبة المغربية الاصيلة و العريقة.



