جيلنا وثورات ” الملك والشعب”

نورالدين بن شقرون/مكتب مراكش
المتصفح لتاريخ المغرب الحديث، خصوصا منذ تولي الملك محمد الخامس (رحمه الله) مقاليد الحكم في ظروف عصيبة فرضتها الحماية الفرنسية آنذاك، يتبين له أن المحتل لم يستطع كسب الملك الشاب لخدمة مصالح الاستعمار لأنه كان متشبع بالروح الوطنية الصادقة ورافضا لكل مزايدات على حساب حرية بلده. وللضغط عليه، قررت السلطات الاستعمارية نفيه بعيدا خارج المغرب بمعية أسرته، لتبدأ سلسلة من الانتفاضات وتزداد المقاومة مطالبة برجوع الملك واستقلال البلاد.
هذا التلاحم شكل سابقة في تاريخ البشرية، وحمل اسم :
” ثورة الملك والشعب” وكان بداية لثورات أخرى من أجل بناء الدولة الحديثة وازدهار المجتمع.
الثورة الاولى
وكما أسلفت، تمثلت في مقاومة الاستعمار من أجل رجوع الملك من منفاه واستقلال البلاد.
هذه الفترة لم نعاصرها نحن جيل أواخر الخمسينات، وإنما تعايشنا ونحن صغار مع الحكايات التي كانت تتناولها الأسر عن الملك محمد الخامس، محاولين استيعاب ما يروى لنا من قصص تفوق الخيال والمتمثلة في ظهور صورته على القمر.
كان لهذا وقع في ذاكرتنا كأطفال متمدرسين خاصة عند تلقينا دروس
” التربية الوطنية ” ، حينها كان الاستاذ يحاول جاهدا إخراجنا من دائرة الخرافة ويوصل رسالته التوعوية موضحا أن مجرد فرط حب الناس لملك البلاد جعلهم يتخيلون صورته على القمر.
كنا وقتها نعيش بداية فترة حكم الملك الحسن الثاني (رحمه الله)، مرحلة جد صعبة تمثلت في البحث الحثيث على وضع أسس الدولة الحديثة في عالم يتجاذبه قطبين لكل واحد مفاهيمه الايديولوجية ونظرياته لتسيير مؤسسات الدولة والاقتصاد.
الثورة الثانية
مرت فترة الستينات بما لها وما عليها، وانتقل المتمدرسون من جيلينا بداية السبعينات إلى مرحلة الاعدادي في خضم حالة سياسية يشوبها الغموض وعدم الثقة بين أجهزة الدولة وبين يسار ثوري كان يحاول نشر الأيديولوجية الاشتراكية في الأوساط التعليمية. كنا وقتها نساند حركة الإضراب المعلنة من طرف جهة ما دون إدراك عميق وفهم لما يجري.
مع توالي السنوات الاولى للسبعينات بدأت تتضح لنا معالم الصراع، خاصة عندما بدأنا نقرأ جرائد اليسار الى درجة اننا كنا نتسابق للظفر بإحدى العروض التي تناقش الثورات
العالمية بدأ بالثورة الفرنسية ومبادئ الحرية وحقوق الإنسان إلى الثورة البلشفية وما حملته من تغيير في امتلاك وسائل الإنتاج.
هذا التعطش اللامتناهي للنقاش السياسي وللاخبار التي كانت تأتي بين الفينة و الأخرى من اعتقال بعض اليساريين، كان يسبب لنا مواجهات مع أسرنا التي كانت ترى أن تصرفاتنا انتحارية خاصة وأن ” الحيطان لها اذن” وفعلا كم من تلميذ تم اعتقاله لمجرد مشاركته في حلقة من حلقات النقاش.
وسط هذا الخضم، كنا نأمل تغيير حالتنا الاجتماعية، فغالبيتنا كانت تنتمي إلى الطبقة المقهورة.
هذه الوضعية الاجتماعية جعلت مجموعة منا تغادر الدراسة بعد نهاية السلك الإعدادي وتلتحق بسلك المعلمين او مراكز تكوين الممرضين أو حتى العمل في الشرطة إذا كان المترشح يفي للشروط المطلوبة.
تتوالى الأيام ويشتد هذ الصراع الفكري بين شباب تواق الى الحرية وإرساء قواعد الديمقراطية الحقة وبين الدولة التي كانت تسيطر على القنوات الإعلامية وتغطي كل الأنشطة الرسمية من تدشينات واحتفالات الأقاليم في المناسبات الوطنية، لكن ماكان يوحدنا مع المخزن هو الإحتفال بذكرى 20 غشت من كل سنة والتي كنا نتقاسم فيها رغم اختلافنا ملحمة ثورة الملك والشعب.
هذه الثورة بقيت راسخة في أذهاننا ونحن تواقون للتغيير، لكن عن أي تغيير نتكلم ؟ اندفاعنا كشباب لم يكن يذهب حد القطيعة مع ذلك الصرح القوي الذي شيد عبر قرون والمتمثل في ارتباط الشعب بالملوك الذين تعاقبوا على حكم المغرب والذي جعل منا الاستثناء في العالم الإسلامي الذي بقي مستقلا عن الخلافة العثمانية.
في منتصف السبعينات انتقلنا إلى السلك الثانوي حسب توجهاتنا العلمية أو الأدبية وبهذا كنا ملزمين على فراق بعضنا البعض لنجد أنفسنا مع أصناف أخرى من التلاميذ ومن مشارب مغايرة للتي ألفناها في مسيرتنا الإعدادية.
لكن الأوضاع السياسية في البلد في هذه الفترة كانت جد متميزة، ذلك أن المغرب وبكل مكوناته طالب باسترجاع صحرائه والتي كانت تحت نير الاستعمار الإسباني.
اشتد النقاش داخل الأوساط الطلابية، وتعددت الآراء لكن الغالبية العظمى ساندت وتشبثت بحق المغرب التاريخي على أرضه ،وكباقي المواطنين انتظرنا خطاب الحسن الثاني والذي فاجئ به الجميع بعزمه تنظيم مسيرة خضراء سلمية الى الصحراء وذلك بعدما أجابت محكمة العدل الدولية بلاهاي بإيجاب عن السؤالين المطروحين على أنظارها
والمتمثلين في أن علاقة البيعة ربطت دوما قبائل الصحراء بملوك المغرب وأن الأرض الصحراوية لم تكن البتة أرضا خلاء.
بدأت الاستعدادات للمسيرة وتظافرت كل الجهود لانجاح هذا المحك التاريخي والمصيري، حينها بدأنا نفهم ونحن الرافضين بحكم السن وقلة التجربة لكل ما هو مخزني، أن هناك محطات تاريخية تذوب فيها الخلافات كيفما كان نوعها وتبقى مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات……….انطلقت المسيرة وبلغت مبتغاها وفهمنا الدرس جيدا، واقتنعنا أن هذه المحطة التاريخية شكلت فعلا الثورة الثانية للملك والشعب، ليزداد هذا الاقتناع رسوخا حتى بعدما ولجنا التعليم الجامعي.
• * الثورة الثالثة:
نعيشها اليوم مع الملك محمد السادس، فبالأمس القريب، خضنا معركة ضد كورونا، عدو بيولوجي غير مرئي، تسلط على العالم بأسره نتيجة الإفراط والتفريط في إستعمال مكونات الطبيعة، وهي معركة هزمت أعتى الدول حتى التي لها منظومات صحية تفوق مئات المرات منظومتنا.
انها معركة تطلبت منا لم الصفوف ونسيان الخلافات لأن الظرف كان جد حساس وأي تأخر في اتخاذ القرار كان قد ستكون له عواقب جد وخيمة على البلد واستقراره.
بعد هذه المعركة التي خرجنا منها أكثر التحاما وتآزرا، نستمر اليوم بحشد الاعتراف الدولي بعدالة قضيتنا الوطنية وحقنا الثابت على أقاليمنا الجنوبية موازارة مع مسيرة النماء وتطوير الاقتصاد.
ولازالت هذه الثورة الثالثة مستمرة املين ان نحقق من خلالها القطع الكلي مع كل أشكال الفساد ومحاربة الجهل وتوفير الصحة والتعليم العموميين للمواطن لأنه هو ركيزة كل نماء ولأن الحكومات كيفما كانت توجهاتها تحكم تم تغادر، ويبقى أمل الشعب في القرارات الاستراتيجية الكبرى التي يسهر عليها الملك، عملا بفلسفة ثورة الملك والشعب المستمرة من اجل الازدهار والنماء .



