مقالات واراء

قصر الإعلام…. شكرٌ مرير لمن أطفأ أنواره و رحلة من مجد النهضة إلى فوضى اليوم

هند جوهري

 

يجب أن نمد أيادينا بوافر الشكر إلى الوزير الشاب المهدي بنسعيد، ذلك المتعدد المواهب والقطاعات، على إنجازاته الاستثنائية في قطاع الصحافة والإعلام. يُحسب له، بكل أمانة ووفاء، تنفيذ فصول مخطط غامض صُنع في غرف مظلمة، يهدف إلى تدمير مهنة الصحافة بلطف، وإطفاء آخر أنوار قصرها المقدس – ذلك القصر الذي استُبيحت حرمته، فتحول إلى مرتع خصب للمنحرفين وصناع الضرب والجرح والنصب والاحتيال فلماذا حوّلتَ ساحة الإعلام المغربي إلى فضاء واسع يجول فيه المدّعون والحمقى، مروجو الخطابات الضحلة والأخبار الكاذبة كالرياح العابرة؟.

لم يعد الأمر مجرّد هواء الاختلاف، بل اعتداء سافر على حرمة الصحافة، انتهاك فجّ لمصداقيتها، من أولئك الذين يقتاتون على الابتزاز والتشهير، يبخسون القيم والحضارة والثقافة والفكر كأنهم ينثرون رماداً على نار الزمن.

الإعلام المغربي من مجد الإستقلال إلى الإنهيار…لنعد إلى جذور هذا القصر الذي كان يوماً منارة في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث ولدت الصحافة المغربية كسلاح ثوري في وجه الاستعمار الفرنسي. جريدة “النهضة المغربية” (1927)، التي أسسها علال الفاسي، لم تكن مجرد صفحات، بل صرخة حرية نشرت مقالات جريئة كشفت جرائم الإحتلال، ودعت إلى الوحدة الوطنية. تلتها “المحرر” (1937) لمحمد الحجوي، التي واجهت الرقابة بتحقيقات دقيقة عن الفقر والظلم، محولةً الكلمة إلى سيف يقطع أغلال الاستعمار، هذه الجرائد لم تكن تروج للسخافة؛ بل صنعت معرفة، وأشعلت ثورة الاستقلال في 1956، حيث ساهمت في تعبئة الشعب ضد الاستعمار، وبعد الاستقلال، ازدهر القصر تحت شعار “الإعلام في خدمة التنمية”.

ففي السبعينيات، برزت “الصباح” و**”العلم”** كصحف رسمية لكنها محترفة، تغطي إصلاحات الحسن الثاني الزراعية والإجتماعية بدقة، مع نقد بناء للفساد، كانت الصحافة حينها مدرسة أخلاق، تضم عمالقة مثل مصطفى السحيمي الذي كتب في “المحافيظ” تحليلات فلسفية عميقة عن الهوية المغربية، لم يكن هناك “مدعون”؛ بل صحفيون يتحققون الحقائق قبل النشر، يبنون الثقة لا يحطمونها.

لكن اليوم، تحت ولاية الوزير بنسعيد (منذ 2021)، تحول القصر إلى أنقاض، المنصات الرقمية غير المنظمة – مثل صفحات فيسبوك “الصحافة الحرة” المزيفة – تنشر يومياً آلاف الشائعات، كتلك التي أثارت فتنة “الانتخابات 2021” بأكاذيب عن التزوير، مما أدى إلى اضطرابات في الرباط، هذه ليست صحافة؛ بل ابتزاز، كما في فضيحة “الصحفيين الافتراضيين” 2023، حيث أُغلقت 200 صفحة بعد شكاوى من شخصيات عامة، هؤلاء لا ينسجون خيوط المعرفة، بل يشيعون سخافةً تتسلل كالندى الخبيث، يغذّون الفضاء العام يومياً بأطنان من التفاهة – سرديات ركيكة تتدثّر زيفاً بثوب الحداثة والجرأة على كسر الطابوهات، كالزهور الزائفة في حديقة مهجورة، يختفون خلف أقنعة مفضوحة وأجندات مكشوفة، يقضون أيامهم في تفصيل وطنية على المقاس، يفسّرونها وفق أهوائهم ومصالحهم الضيقة كالخياط الذي يقص رداءً للريح يوزّعون شواهد حسن السيرة وصكوك الغفران، يحلّلون ويحرّمون، يقيمون محاكمَ سرّية لتفتيش النوايا والأفكار والمواقف ثم ينصبون أنفسهم حماةً للمصالح الوطنية، ناطقين رسميين باسم الدولة، حتى لو لم تُطلب منهم الكلمة ولا تُفوّض – تماماً كتلك الحملات الرقمية “الوطنية” المزيفة في 2024، التي دافعت عن سياسات حكومية دون تفويض رسمي.

هل هذه فوضى عابرة كالغيمة في سماء المشهد الإعلامي؟ أم نمطٌ جديد خطير يُفرغ الصحافة من روحها، ويختزل الوطنية في شعارات حسب الطلب، كالأصداء الفارغة في وادٍ جاف؟ مقارنةً بمجد “النهضة”، نرى الفرق كانت الصحافة يوماً سيفاً للحرية، واليوم عصا للابتزاز….جسر النور هو كيف نواجه اللإنحراف دون الغرق؟فبالعودة إلى جذور المهنة، تعزيز القوانين، تعديل مدونة الصحافة (88-13)وبترخيص رقمي إلزامي، مستوحى من نموذج الإمارات الناجح، تعليم إعلامي شعبي، حملات مدرسية وتلفزيونية لبناء وعي يميز الحقيقة، كما في حملة “الإعلام الرشيد” الفرنسية بدعم المهنيين وتمويل مستقل لصحف إلكترونية جادة مع تدريب 5000 صحفي شاب سنوياً, وحوار وطني مثل مؤتمر في الرباط يعيد إحياء روح “النهضة”، يجمع الحكومة والنقابات والشباب، لنبني جسراً من النور، لا نتبع ظلام الآخرين…..فقصر الإعلام ينتظر ثورته الجديدة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock