حين تقود الإشاعة آلاف الخطوات نحو البحر

من بغداد إلى الرباط، قد تختلف اللهجات، لكن الأحلام تتحدث لغة واحدة.
في العراق، الذي يمثل قلب المشرق العربي بنخيله الممتد على ضفاف الدجلة والفرات، اعتاد الناس أن يسمعوا قصصًا عن شباب غادروا مدنهم بحثًا عن فرصة حياة أفضل، تاركين خلفهم ذكريات أثقلها التعب. وفي المغرب، بوابة المغارب الشامخة على حافة الأطلسي، لم يكن المشهد مختلفًا كثيرًا. هناك أيضًا، كان آلاف الشبان يقفون على حافة الانتظار ذاتها، حتى جاءت إشاعة صغيرة عبر شاشة هاتف، لتدفعهم إلى أكبر موجة عبور شهدتها مدينة سبتة منذ سنوات.

بدأ الأمر بمنشورات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحدثت عن تخفيف الرقابة على الحدود الإسبانية، وأن الطريق إلى سبتة أصبح أكثر سهولة. لم يتأكد كثيرون من صحة تلك الأخبار، فحين يطول الانتظار، يصبح الأمل أسرع من الحقيقة.
خلال ساعات، امتلأت الطرق المؤدية إلى الشاطئ بآلاف الأشخاص. بعضهم سبح في البحر، وآخرون حاولوا اجتياز السياج الحدودي، بينما كانت قوات الأمن الإسبانية تسابق الزمن لاحتواء التدفق غير المسبوق. وتحولت سبتة، التي اعتادت هدوء البحر، إلى مشهد يعج بالفوضى، وعمليات الإنقاذ، والاشتباكات، وأصوات سيارات الإسعاف.
لكن البحر لا يفرّق بين من يحمله اليأس ومن يحمله الحلم.
انتهت الرحلة بضحايا وجرحى، وعشرات الآلاف من محاولات العبور، فيما أعلنت السلطات الإسبانية احتواء الأزمة وإعادة أعداد كبيرة من المهاجرين، بينما عاد آخرون طوعًا بعدما اكتشفوا أن الطريق الذي رسمته لهم الشاشات كان أكثر قسوة مما تخيلوا.
ولم تكن هذه الحكاية مجرد أزمة حدود بين المغرب وإسبانيا، بل كانت حكاية شعب كامل يُختصر في عزيمة شبابه؛ شباب وجدوا أنفسهم بين واقع اقتصادي صعب وحلم مؤجل. فالإشاعة لم تصنع الأزمة وحدها، لكنها أشعلت شرارة كانت تنتظر من يوقظها.
ورغم أن المسافة بين العراق والمغرب تمتد آلاف الكيلومترات، فإن الإنسان في البلدين يعرف جيدًا معنى البحث عن فرصة، ومعنى أن يضيق الأفق حتى يبدو المجهول أقل خوفًا من البقاء. في المشرق، يحزم شاب عراقي حقيبته وهو يحمل في عينيه دجلة وألم السنين، وفي المغرب الأقصى، يندفع شاب آخر نحو البحر وهو يصدق أن الضفة الأخرى قد تمنحه بداية جديدة. يمثل هذان الجناحان حقيقة واحدة: أن الهوية العربية اليوم باتت مسكونة بشغف البحث عن الحياة، وأن العربي، أينما كان، لا يطلب المستحيل، بل يبحث عن أرض تُقدّر وجوده وتمنحه حق الحلم دون الخوف من الغرق.
في النهاية، لم يكن البحر هو البطل الحقيقي لهذه القصة، ولا الحدود وحدها. البطل كان ذلك الأمل الهش الذي دفع آلاف البشر إلى المجازفة بكل شيء من أجل حياة اعتقدوا أنها تنتظرهم خلف الأفق.
وربما تتغير أسماء المدن؛ بغداد، الرباط، سبتة… لكن حين يضيق الأمل، يصبح الطريق إلى المجهول أقصر من الطريق إلى الحلم.



