مجتمع

تشرين في العراق… أسماء في الذاكرة وحقوق تنتظر الإنصاف

✍️ تمار عامر

 

في العراق، لم تكن تشرين مجرد احتجاجات عابرة، بل لحظة خرج فيها جيل كامل ليطالب بحياة تليق به. ففي الأول من تشرين الأول عام 2019، ثم مع اتساع الموجة الاحتجاجية في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، نزل الشباب إلى الشوارع بحثاً عن العمل والخدمات والكرامة، رافعين شعاراً اختصر أحلامهم جميعاً: «نريد وطناً».

 

لم يطلبوا امتيازات، بل دولة لا تتحول فيها الحقوق إلى منّة، ولا تتقدم المصالح الحزبية على حاجات المواطنين. جمعت الساحات طلبة وعمالاً وخريجين ونساءً من خلفيات اجتماعية ومناطقية مختلفة، وحدهم الإحساس بأن مستقبلهم يستحق فرصة حقيقية.

 

لكن الطريق إلى ذلك الحلم كان مثقلاً بالخسائر. فقد متظاهرون حياتهم، وأصيب آلاف، وتعرض ناشطون للاختطاف والتهديد، فيما بقيت أسئلة كثيرة بشأن المسؤولية عن الانتهاكات من دون إجابات قضائية شاملة ومعلنة.

 

وفي ملف نشره كاظم المقدادي في مجلة «الثقافة الجديدة» عام 2025، جُمعت أسماء 1035 شخصاً فقدوا حياتهم خلال احتجاجات تشرين من محافظات عراقية عدة، استناداً إلى مصادر وتقارير وشهادات متعددة. ويشير صاحب الملف إلى أن القائمة لا تمثل حصيلة نهائية، بسبب صعوبات التوثيق واختلاف التقديرات بشأن العدد الحقيقي للضحايا.

 

وراء كل اسم حياة انقطعت قبل أوانها؛ شاب ترك دراسته ليعيل أسرته، وطالب كان يحلم بالتخرج، وآخر خرج مع أصدقائه ولم يعد. لم يكونوا أرقاماً في تقرير، بل أبناءً وأخوةً وأصدقاء، لكل منهم حكاية ومستقبل كان ينتظره.

 

ولم تقتصر البطولة على المتظاهرين الذين واجهوا الخطر في الساحات، فقد تطوع أطباء ومسعفون لإنقاذ الجرحى، وسارع شباب يقودون عربات التكتك إلى نقل المصابين نحو أماكن العلاج. كما شاركت نساء في تقديم المساعدة، في مشهد أظهر قدرة التضامن الشعبي على تجاوز الحواجز والخلافات.

 

وكشفت تشرين عن رغبة عميقة في بناء دولة تقوم على المواطنة، وتحفظ الحقوق بعيداً عن الانتماءات الحزبية والطائفية. غير أن هذا الحلم ظل يصطدم بمطالب معيشية وسياسية لم تجد حلولاً كافية، وبملف حقوقي لا يزال يحتاج إلى مزيد من الشفافية والمحاسبة.

 

فالعائلات التي فقدت أبناءها لا تنتظر التعاطف وحده، بل تريد معرفة ما حدث، ومن يتحمل المسؤولية، وما الذي آلت إليه التحقيقات. ويُعد توثيق أسماء الضحايا خطوة أساسية لحفظ حقوقهم، لكنه لا يغني عن تحقيقات مستقلة وفعالة، وحماية الشهود، وتقديم الأدلة إلى القضاء، وضمان إنصاف المتضررين.

 

واليوم، الأحد 25 تشرين الأول 2026، تعود ذكرى انطلاق موجة الاحتجاجات الواسعة في تشرين إلى الواجهة، حاملةً معها أسئلة لم تفقد أهميتها. فما زالت مطالب العمل والخدمات وتحسين المعيشة ومكافحة الفساد حاضرة في حياة العراقيين، وهو ما يؤكد أن التغيير لا يُقاس بتبدل الحكومات وحده، بل بما يتحقق في حياة الناس، وبقدرتهم على التعبير عن مطالبهم من دون خوف.

 

إن الوفاء لمن فقدوا حياتهم في تشرين لا يتطلب الاتفاق على كل قراءة سياسية للأحداث، بل الالتزام بحقوق الإنسان، وحماية حرية التظاهر السلمي، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون. كما يقتضي أن تبقى قصص الضحايا جزءاً من التاريخ العراقي الموثق، بعيداً عن المبالغة والتوظيف الحزبي والتجاهل.

 

لم يخرج شباب تشرين كي تصبح حكاياتهم أسماءً في قوائم، بل كي يعيشوا في وطن يحفظ كرامتهم ويمنحهم فرصة لحياة أفضل. ومن حق عائلاتهم أن تعرف الحقيقة، ومن حق الأجيال القادمة أن تعيش في دولة تحمي مواطنيها وتصون حقوقهم، حتى لا تتكرر المآسي التي عاشها العراقيون.

 

ومن هنا، فإن الوفاء لتضحياتهم لا يقتصر على استذكارهم، بل يبدأ بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، ويمتد إلى تحويل مطالبهم إلى واقع يلمسه العراقيون في حياتهم اليومية، من خلال توفير العمل والخدمات، وترسيخ العدالة، وحماية حرية التعبير والتظاهر السلمي.

 

فما زالت تشرين، رغم مرور السنوات، أكثر من ذكرى تستحضر الألم؛ إنها صوت يطالب بالعدالة، وحلم ينتظر أن يتحقق، ومسؤولية تقع على عاتق الجميع لبناء وطن يليق بتضحيات أبنائه.

 

فما قيمة أن نتذكر من ضحّوا من أجل العراق، إن لم نعمل من أجل العراق الذي حلموا به؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock