من فاطمة المنصوري إلى فاطمة الفهرية.. حين يستعيد الاسم ذاكرته

في المغرب، لا يبدو اسم فاطمة غريبًا عن صفحات التاريخ.
ومع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية في 29 سبتمبر 2026، يعود إلى الذاكرة اسم فاطمة أخرى عاشت قبل أكثر من ألف عام، وارتبط اسمها بمدينة فاس وبواحد من أشهر صروح العلم في العالم الإسلامي: فاطمة الفهرية.
لا تجمع المرأتين المهنة ولا الزمن ولا طبيعة الدور، لكن الاسم الواحد يفتح بابًا للعودة إلى قصة قديمة عن امرأة ارتبط إرثها بالعلم، وعن مدينة تحولت مع مرور القرون إلى مركز للمعرفة والثقافة.
وُلدت فاطمة بنت محمد الفهرية، المعروفة بأم البنين، في القيروان، في تونس الحالية، ثم انتقلت مع أسرتها إلى فاس في القرن التاسع الميلادي. وهناك، بعد وفاة والدها، ورثت ثروة كبيرة، ووفق الرواية التاريخية المتداولة، قررت أن توجّه جزءًا من مالها إلى بناء مسجد أصبح لاحقًا نواة لمؤسسة علمية واسعة الصيت.

في سنة 859م، ارتبط اسم فاطمة الفهرية بتأسيس جامع القرويين في فاس. بدأ المكان مسجدًا للعبادة، لكنه لم يبقَ محصورًا في هذا الدور؛ فالمساجد الكبرى في ذلك العصر كانت أيضًا أماكن للعلم، وبدأت في القرويين حلقات لتدريس القرآن والحديث والفقه واللغة، يجتمع فيها الطلاب حول العلماء للاستماع إليهم ومناقشتهم.
ومع مرور الزمن، اتسعت هذه الحلقات، وتنوعت العلوم التي تُدرّس فيها، وأصبح القرويين مقصدًا للطلاب والعلماء من مناطق مختلفة. وهكذا تطور المكان تدريجيًا من مسجد يحتضن حلقات العلم إلى مركز علمي واسع، ثم تطورت مؤسسته التعليمية عبر القرون حتى أصبحت تُعرف بجامعة القرويين بصورتها المؤسسية الحديثة.
وهنا تكمن أهمية قصة فاطمة الفهرية؛ فهي لم تؤسس «جامعة» بالمفهوم الذي نعرفه اليوم في لحظة واحدة، وإنما ارتبط اسمها بالبداية الأولى لصرح ديني وعلمي استمر في التطور عبر أكثر من ألف عام.
ومع اتساع الحركة العلمية في القرويين، لم تعد الدروس مقتصرة على العلوم الدينية واللغوية، بل شملت في فترات مختلفة الرياضيات والفلك والطب والفلسفة والجغرافيا وغيرها من مجالات المعرفة. وأصبح القرويين واحدًا من أبرز مراكز العلم في المغرب والعالم الإسلامي.
ومن فاس، امتدت شهرة القرويين إلى مناطق بعيدة، وقصدها طلاب وعلماء من أنحاء مختلفة، وارتبط بها عدد من الأسماء المعروفة في التاريخ الفكري، من بينهم المؤرخ ابن خلدون، والفيلسوف والطبيب ابن رشد، والجغرافي الإدريسي، وعالم الرياضيات والفلك ابن البناء المراكشي، إضافة إلى موسى بن ميمون.
كما أصبحت مكتبة القرويين جزءًا من ذاكرة المكان العلمية، واحتفظت بمخطوطات ووثائق تعكس جانبًا من تاريخ المعرفة في فاس. ومع مرور القرون، بقيت المكتبة والقرويين شاهدين على الدور الذي لعبته المدينة في الحياة الثقافية والعلمية في المغرب.
وتبقى فاطمة الفهرية حاضرة في هذه القصة، رغم أن كثيرًا من تفاصيل حياتها وصلتنا عبر روايات تاريخية متأخرة، من أبرزها ما أورده المؤرخ ابن أبي زرع في كتابه «روض القرطاس». ولذلك فإن بعض التفاصيل المتداولة عنها تحتاج إلى التعامل معها بحذر، والتمييز بين ما تذكره الروايات التاريخية وما تؤكده المصادر بدرجة أكبر.
لكن بقاء اسمها طوال هذه القرون ليس مرتبطًا فقط بتفاصيل سيرتها، بل بالأثر الذي ارتبط باسمها. فقد أصبحت القرويين جزءًا من تاريخ فاس، وبات اسم فاطمة الفهرية مرتبطًا بقصة مكان ظل يستقبل العلم والطلاب جيلًا بعد جيل.
وبعد أكثر من أحد عشر قرنًا، يعود اسم فاطمة إلى واجهة المغرب من طريق مختلف.
فاطمة الزهراء المنصوري تبدأ مرحلة سياسية جديدة في تاريخ البلاد، بعدما أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية، بينما تستعيد الذاكرة في اللحظة نفسها اسم فاطمة الفهرية، المرأة التي ارتبطت بمدينة فاس وبصرح علمي ظل حاضرًا عبر القرون.
ليست بين التجربتين مقارنة مباشرة، فلكل امرأة زمنها ومجالها وظروفها. لكن استحضار فاطمة الفهرية في هذه اللحظة يذكّر بأن تاريخ المغرب يحمل قصصًا لنساء تركن أثرهن في مجالات مختلفة، وأن بعض الأسماء تستطيع أن تعبر القرون، لا لأنها بقيت حاضرة في الكتب فقط، بل لأن ما ارتبط بها ظل حاضرًا في حياة الناس.
فاطمة الفهرية تركت وراءها اسمًا ارتبط بالعلم في فاس، وفاطمة المنصوري تبدأ اليوم فصلًا جديدًا في مسيرتها السياسية. وبين الفاطمتين أكثر من ألف عام، وبين التجربتين حكاية مغربية طويلة عن مدينة احتضنت العلم، وعن أسماء نسائية وجدت طريقها إلى صفحات التاريخ.
تمار عامر



