أوهام المثقف الطوباوية ..

عبد اللطيف شعباني
تمكن المفكر على حرب من تفكيك الكثير من المقولات التي غدت كليشيهات ثابتة ، وشكلت كمثل أوهام المثقفين و افقدتهم القدرة على قراءة الواقع و التفاعل معه و مع قضايا و اشكالياته ، و لا ابالغ إن قلت أن المفكر علي حرب فعلا عرى المثقفين النخبوين العرب ، و ذلك عندما توغل أركيولوجيا داخل العقليات و الذهنيات المنضوية تحت مظلة الثقافة ، و خاصة تلك الفئة المتعالية منهم ، فأسقط بالتالي منظومتهم الشمولية و أعادهم إلى حجمهم الطبيعي، طبعا علي حرب لم يرد أسباب حالة المثقفين المزرية هذه إلى مجرد أسباب تاريخية أو اجتماعية أو سياسية كما جرت العادة ، لا بل ردها إلى القصور الذاتي عند المثقفين أنفسهم ، و إلى بنية الفكر الذي يمارسونه ، معتبرا أن أزمة المثقف العربي الحقيقية تتجلى في كونه ضحية لأفكاره ولأوهامه ، و بذلك فمشكلة المثقف العربي الأولى و الأساسية كما يرى علي حرب مع نفسه قبل كل شيء آخر .
إن مشكلة المثقف كما يرى علي حرب هي مع نخبويته و وصوله إلى مرحلة من التنظير، تعالى فيها فوق الحقيقة و واقع المجتمعات الفعلي ، و هذا طبعا أدى كما يرى حرب الى أمر من اثنين ، ا ما إلى انفصاله عن هذا الواقع و المجتمعات و أصبح بالتالي هامشيا ، و أصبح عاجزا عن تقديم أي اطروحات فكرية تجيب عن أسئلة الواقع بسبب ابتعاده عنها ، و إما انه أصبح مجرد ناطق باسم السلطة السياسية الممسكة بالقرار ، و في كلتا الحالتين ابتعد هذا المثقف عن الدور الذي من المفترض أن يلعبه بوصفه قاطرة تعمل على تحريك المجتمع ، دافعة إياه نحو التقدم أو إلى الأمام ، يعزو علي حرب هذا الانحصار للتاثير وهذا التقمص للدور إلى مجموعة من الاوهام التي تملأ عقول المثقفين أنفسهم على نحو جعلهم يظنون بأنهم الأوعى أو الأعلى و الأحق بتقديم رؤى و أفكار يقينية للواقع ، و تكون غير قابله للنقد أو الاعتراض عليها و حتى لمجرد مناقشتها ، لأنهم كما يتوهمون نخبة المجتمع ، و هم كما يظنون صفوة هذا المجتمع و طليعة الجماهير و ضمير الأمة. .
يحدد المفكر علي حرب و يعدد خمسة من هذه الأوهام التي عششت داخل عقول النخب الثقافية ، و التي كما يرى هي المسؤولة على حالة العجز و الفشل التي هم عليها ، وهذه الأوهام الخمسة هي وهم النخبة و وهم الحرية و وهم الهوية و وهم المطابقة و وهم الحداثة …
– وهم النخبة : و المقصود به ذلك التعالي و الغرور و النرجسية التي عليها أغلب المثقفين العرب ، فالمثقف و المفكر العربي كما يقول علي حرب نصب نفسه وصيا على الحرية ، و حتى نصب نفسه رسولا للحقيقة و أمينا على المجتمع ، و مقررا لما هو في مصلحة الشعب و الوطن ، معتبرا بذلك أنه هو الأعلى منزلة و هو الأعلى شأنا من كل منهم في محيطه ، طبعا هذا ما جعله ينسلخ عن الواقع و يغرق في اوهام نخبويته ، و هذا الوهم في النهاية قاده إلى عزلته عن مجتمعه و عن واقع هذا المجتمع الفكري.
*أما ثاني الأوهام فهو وهم الحرية : و الذي يعاني منه المثقف العربي و هو اعتقاد ه أن بإمكانه تحرير المجتمعات و من التبعية و الجمود و العبودية و التقليد و من أشكال الفقر و التخلف ، و بأنه يرى في نفسه هو الأقدر ، لأنه الأكثر فهما لجوهر و معنى الحرية السامي ، بينما هو في الواقع ينادي بالحرية من جهة ، لكنه يمارس أيضا الاستبداد أقله الاستبداد الفكري…. من جهة أخرى نراه متشبثا بآراءه و أفكاره وبأيديولوجياته ، و بالتالي يريد تعميمها على الآخرين ، و يريد أن يمارس التسلط الفكري على الآخرين بتعميم أفكاره و عقائده هو ، لا بل أن هذا المثقف لا يقبل حتى مجرد المناقشة فيها فضلا طبعا عن نقده…
*أما الوهم الثالث فهو وهم الهوية : وهو اعتقاد المثقف والمفكر أن بإمكانه أن يبقى كما هو ، أن يبقى محافظا على أصوله و منابعه الفكرية و الثراثية.. و هذا وهم يجعله متقوقعا على نفسه و عاجزا عن التجدد و عن الإبداع ، بمعنى أن المثقف العربي إذا بسطنا الأمر هو يهتم فقط بهويته الفكرية ، يعني أنه يهتم أكثر بمعرفة الوقائع و المفاهيم الجديدة أو انتاج الأفكار ، فجل ما يهمه هو إعلام مسه الصريح بهذه العقيدة و الدينية أو الفكرية أو إلى تلك الأيديولوجيا و الدفاع عنها و حراسة أفكارها ، و هذا يدفعه بالمقابل الى إنكار ما هو واقع و إلى ممارسة نوع من المكابرة و المعاندة و يستوي هذا الأمر عند كل أصحاب المشاريع الفكرية المنطلقة من هوية ثقافية فكرية مسبقة .
*أما الوهم الرابع فهو وهم المطابقة : و هو كما يرى وهم أشبه بوباء متفش بين جميع المثقفين العرب ، و حتى عند غير العرب من مثل سمة أو طبع عند أغلب المفكرين الذين يعتقدون او بالأحرى يتوهمون أن الحقيقة هي كمثل جوهر ثابت، هي شئ سابق على التجربة متعال على الممارسة ،و يمكن بالتالي إسقاط هذه الفكرة التي يعتقدون بأنها حقيقة ثابتة على الواقع مباشرة و تطبيقها من دون النظر الى الظروف الموضوعية و الواقعية و لا في إشكاليات الواقع و اختلافاته و تعقيداته.
*الوهم الأخير وهو وهم الحداثة : و هو من أشد الاوهام حجبا و إعاقة للمفكر من خلق و ابداع الأفكار و أيضا و حاجزا أمام المفكر يبعده عن استقلاله الفكري و حتى عن أعمال عقله النقذي و يتجلى هذا الوهم و هم الحداثة في تبجيل المثقف و المفكر و تعظيمه بنماذج ثقافية أو فكرية معينة كمثل نموذج الحداثة لدرجة نرى أن هذا المفكر يتعاطى مع هذا النموذج بنوع من التقديس في مكان ما وهذا برأي علي حرب لا يفرق بأي شيء المقلد، بنموذجه الثراثي أو الديني كلاهما يعترضان على أي نقد لنموذجه و يشرعان بالمقابل النقد بشكل مباح للنموذج الآخر، بينما الدروس المستفادة تقول أنه كما أن التقدم الفكري يستدعي نقد النماذج السابقة كذلك فان الاعتراض على نقد الحداثة سيبقي الفكر
إن المفكر الحقيقي هو الذي يعمل على إنتاج الأفكار و إنتاج الرؤى و على خلق الوعي و خلق إبداع لفكر جديد ، يعمل على تغيير الذهنيات و العقول ، بحيث تكون قادرة مثلا على مجابهة تحديات الواقع الداخلي و الخارجي ، و الأهم أن يكون المثقف جريئا في نقد الذات ، لأن أي ثورة فكرية لابد أن تبدأ بثورة الفكر على الذات.



