مقالات واراء

بيداغوجيا الخطأ…الأسس والمبادئ

ذ عبد اللطيف شعباني // نائب رئيس التحرير

يمكن تعريف بيداغوجيا الخطأ على أنها خطة بيداغوجية تقوم على اعتبار الخطأ استراتيجية للتعليم و التعلم، و تفترض وجود صعوبات ديداكتيكية تواجه المتعلم أثناء القيام بتطبيق التعليمات المعطاة له ضمن نشاط تعليمي معين . وهذه الصعوبات ترجع إلى كون المسار الذي يقطعه المتعلم لاكتساب المعرفة أو بنائها من خلال بحثه،يمكن أن تتخلله بعض الأخطاء . وتركز بيداغوجيا الخطأ على ضرورة اعتبار أن الخطأ أمر طبيعي و إيجابي، الشيء الذي يحتم أخذه بعين الاعتبار أثناء إعداد الدروس . وتجدر الإشارة إلى أن معظم النظريات التربوية اهتمت بهذا المفهوم و منها النظرية الجشتالطية و النظرية البنائية و النظرية الدافعية و النظرية السلوكية .

تقوم بيداغوجيا الخطأ إذن على اعتبار ارتكاب الأخطاء أثناء التعلم خطوة أساسية في المسيرة التعليمية. وهي طريقة ناجحة وفعالة للوصول إلى المعارف والمهارات اللازمة. وقد عرفت بيداغوجيا الخطأ بأنها نسق ومنهجية متبعة في العملية التعليمية التعلمية.

وتذهب بيداغوجيا الخطأ في تحليلاتها بأن المتعلم خلال القيام بالأنشطة التعليمية المعتادة داخل الفصل الدراسي، لابد أن تعترضه مجموعة من العراقيل والمشاكل الديداكتيكية. والتي يسعى إلى إيجاد حلول لها بنفسه، وفي رحلة بحثه عن الحلول المناسبة سيرتكب بلا شك مجموعة من الأخطاء.

ومن هنا تعتبر بيداغوجيا الخطأ أن تلك الأخطاء المرتكبة في هذه المرحلة خطوة ايجابية ، وأمر لابد منه في طريق اكتساب المعلومات والبحث عن المعرفة. ويجب التركيز على هذه النقطة وأخذها بعين الاعتبار أثناء التحضير المسبق للمادة التعليمية .

وفقا لهذا المفهوم فان المدرس يجب أن يكون مرشدا للمتعلم يعينه على اكتشاف أخطاءه ويؤشر عليها ويساعده على معالجتها عوضا عن معاقبته والحكم عليه من خلالها. بالإضافة إلى اعتبار المدرسة مكانا طبيعيا لاقتراف الأخطاء دون انتظار العقاب بجميع أشكاله ودرجاته.

ومن هنا نستنتج أن منهجية بيداغوجية الخطأ طريقة ناجعة تجعل المتعلم يرغب دائما في تعلم المزيد. عبر طرح الأسئلة الغير المألوفة وخلال البحث عن أجوبة لها يصل إلى اكتساب المعرفة الصحيحة والدقيقة.

كيف يمكن استغلال الخطأ في التعليم والاستفادة منه؟

تم الإجماع بالكامل بضرورة تبني الخطأ واعتماده كبداية لانطلاق فعل التعلم. وأخذه على انه فعل عادي وطبيعي يمكن لأي أحد ارتكابه. وتم التأكيد على تجنب تخصيص عقوبات للأخطاء المرتكبة أثناء عملية التعلم بل العكس ينبغي دفع المتعلم إلى اقتراف الأخطاء.

ويتم اعتبار الخطأ مفيدا في التأسيس للتعلم وتشييد المعرفة إذا:

اعتبر اقتراف الأخطاء حق طبيعي من حقوق للتلميذ.
البداية من الخطأ وتصحيحه ومعالجته للوصول إلى المعارف الجديدة الصحيحة والدقيقة.
حصر الخطأ وتبيانه وتوضيحه.
بناء على الخطوات السابقة يتم تحليل النتائج واستنتاج التفاسير التي تؤدي للخطأ.
التجديد في الطرق والأساليب البيداغوجية داخل الفصول واستبدالها كل مرة.
طبقا لمجموعة من الدراسات فإن شخصية المتعلم ومعارفه السابقة، وتاريخه الشخصي ومكتسباته البيئية تلعب دورا مهما في أشكال وأنواع الأخطاء التي يرتكبها أثناء القيام بعملية التعليم. وليست متعلقة فقط بنوعية الأساليب أو الطرق المتبعة في التعليم. كما أكدت هذه الدراسات أن هذه المكتسبات قد تصبح معرقلا في طريق المتعلم لاكتساب كل ما هو جديد.

والمعروف انه لا يمكن اكتشاف أو معرفة الأخطاء المرتكبة من دون الاستناد إلى اختبارات تجريبية أو عمليات تقويمية مستمرة. والمعمول به في المدارس من أجل تقدير مدى وصول المعلومات وترسيخها في ذهن المتعلم وقياس طاقته الاستيعابية بناءا على نتائج هذه الاختبارات.

وللحصول على أفضل النتائج فمن اللازم العمل بجد من أجل مراقبة تعلم الطفل في مختلف مراحل نموه، ومحاولة تصحيح كل ما يعرقل تعلمه الصحيح ومسحها ومساعدته على بناء معارف جديدة خاصة به دون تدخل مؤثرات خارجية مكتسبة. وخلاصة لاكتشاف الأخطاء لابد من اللجوء إلى عملية التقويم والعكس صحيح.

كيفية اكتشاف الأخطاء في مفهوم بيداغوجيا الخطأ؟

لاكتشاف الخطأ التربوي او الأخطاء المرتكبة والوصول إليها، قصد تفعيلها في الفعل التعليمي التربوي والاستفادة منها قدر الممكن، تنصح بيداغوجيا الخطأ إلى السير وفق أسلوب ونسق علمي محض ودقيق والذي يتم عبر مجموعة من الخطوات المدروسة، والآتية على الشكل التالي:

اكتشاف الخطأ وتفسيره: يتم بناء على المراقبة الدقيقة والتحليل والملاحظة.

التأشير على خطأ لحظة حدوثه: ويتم عن طريق تنبيه المتعلم بالخطأ المرتكب بروية وتعقل دون الحاجة إلى التعصب والغضب، والتمهيد له وشرح الموقف له بأن ليس عيبا ارتكاب الأخطاء بل العيب هو تجنبها أو إغفالها أو إخفاءها.

جدولة الخطأ وتصنيفه: لكل خطأ درجته ونوعيته كمثال عن ذلك نجد في اللغة العربية تصنف الأخطاء إلى: أخطاء نحوية إملائية وتركيبية أو تعبيرية أو صرفية…

تحليل ومحاولة معرفة الأسباب التي جعلت المتعلم يقع في هذه الأخطاء: فهناك أسباب متعددة تجعل المتعلم يرتكب الأخطاء والتي سبق أن ذكرناها والمتمثلة في شخصية الطفل أو أسباب نفسية ابستمولوجيا أو تعاقدية أو البيئة التي نشأ فيها….

تصحيح ومعالجة الخطأ: ينبغي على المعلم أن يدرس ويعرف منهجيات تصحيح الأخطاء للمتعلمين. ويستحسن تقديم المعونة والإرشادات الضرورية، لتمكين المتعلمين من تصحيح أخطائهم بأنفسهم وتجاوزها مرة أخرى إذا وقعوا فيها بسهولة.

فتجربة الوقوع في الخطأ ومعالجتها تبقى راسخة في ذهن المتعلم ويلجأ إليها كل ما ارتكب خطأ.

انواع الخطأ
توجد مجموعة متنوعة من الأخطاء والتي يمكن تمييزها وعزلها على الشكل التالي:

الخطأ الناتج عن المعرفة المفروضة: تقع هذه الأخطاء نتيجة الالتزام بمعرفة معينة مغايرة عن المبتغاة أو المرجوة، أو التي تفوق المستوى الذهني أو الدراسي، أو تتجاوز الطاقة الاستيعابية أو أخطاء ناتجة عن الفهم الخاطئ للمراد معرفته.

خطأ ناتج عن المدرس: وتتجلى في عدم توفق المدرس في اختيار الطرق المناسبة والمنهجية المتبعة في إلقاء وشرح الدروس، والتي تكون في الغالب غير نافعة، وغير فعالة بالإضافة إلى تبني أحكام سلبية مسبقة عن العملية التعليمية ككل أو المتعلم، والسير وفق طريقة واحدة مضجرة ومملة دون التجديد أو التنويع في الأنشطة الممنهجة أو الأساليب المتبعة.

الخطأ الصادر من المتعلم: والذي يتمثل في العراقيل التي تواجه المتعلم أثناء التعليم وتشتت تركيزه؛ مثال حالة نفسية متأزمة نتيجة مشاكل شخصية، غياب الانتباه أو عدم الاكتراث بالمعرفة، بالإضافة إلى المؤثرات الخارجية المتعددة مثل البيئة التعليمية.

أسس ومبادئ بيداغوجيا الخطأ
يقوم التعلم باعتماد بيداغوجيا الخطأ على الأسس التالية:

اعتبار الأخطاء البيداغوجية كونها الانطلاقة الصحيحة لبناء معارف جديدة ودقيقة وليست نابعة من تقصير أو غياب المعارف لكن فقط تعثر بسيط أثناء التعلم.

استحالة تجنب الوقوع في الخطأ أثناء التعلم.

الخطأ تعبير إنساني طبيعي وعادي.

يقوم التعلم على ارتكاب الأخطاء وهو من أساليبه الضرورية.

ارتكاب الأخطاء من الحقوق الفعلية للمتعلم والتي ينبغي السماح له بممارستها.

اقتراف الأخطاء وتصحيحها له قيمة إضافية لدى المتعلم.

يفضل السماح للمتعلم برصد ومعرفة أخطائه والقيام بمعالجتها وتصحيحها بنفسه فهذا سيساعده في اكتساب التجارب بالإضافة إلى تنمية قدرات التفكير لديه واتخاذ قراراته بنفسه وتعزيز ثقته بذاته.

أهداف بيداغوجيا الخطأ
إجمالا فأهداف بيداغوجيا الخطأ باعتبار الخطأ امر عادي ومفيد جدا بالنسبة للمتعلم تتمثل في النقط التالية:

الخطأ فرصة لبناء التعلمات لدى المتعلم
بيداغوجيا الخطأ كريس لحق التلميذ في ارتكاب الأخطاء
تنمية قدرات المتعلم على اكتشاف الخطأ ومعالجته بنفسه
تعزيز ثقة المتعلم بنفسه وتطوير مهاراته في التعلم الذاتي
القدرة على وضع فرضيات تفسيرية
تنويع الممارسات البيداغوجيا في الفصل الدراسي
القدرة على قياس وتقييم مستوى التعليم لدى المتعلم
تصحيح التمثلات الخاطئة لدى المتعلمين وتعويضها بمعرفة صحيحة وسليمة
رصد أخطاء المتعلمين وتوجيههم لإصلاحها
إطلع على موضوع بيداغوجيا الأهداف

أبعاد بيداغوجيا الخطأ
كما أن بيداغوجيا الخطأ تقوم على أبعاد ثلاثة مهمة وهي:

البعد البيداغوجي: يتجلى البعد البيداغوجي في الاختيار الخاطئ للوسائل والسبل المناسبة لحاجات المعلم والمتعلم ويمكن تجاوزها عن طريق إتاحة الفرصة للمتعلم على رصد أخطائه وتصحيحها بالاعتماد على ذاته.
البعد السيكولوجي: يرتبط هذا البعد بالمكتسبات القبلية للمتعلم وتاريخه الشخصي ومختلف المؤثرات في نموه الطبيعي وتجاربه السابقة.
بعد إبستمولوجي: هذا البعد متصل بالمعرفة المسبقة المختلفة أي يستطيع المتعلم دون قصد اقتراف أخطاء ارتكبت من قبل وصححت في الماضي.
أهم مصادر الخطأ البيداغوجي
توجد مجموعة من المصادر الممكنة لصدور الأخطاء بالإضافة إلى تعدد العوامل التي تسهم في الوقوع في الخطأ بشكل مستمر خلال عملية التعلم، لكن يمكن الإيجاز فيها بما يلي:

أخطاء بسبب عدم تمكن المتعلم من التمييز وبالأخص الأطفال الصغار.
أغلاط أصلها المكتسبات القبلية النابعة من الثقافة السائدة في المجتمع والمحيط.
و أخطاء جراء غياب الأحكام والنتائج والتفسيرات المنطقية.
هفوة جراء الحواس الخداعة.
و أخطاء مصدرها التحضير الغير جيد الناتج عن المدرس آو إلقاء معلومات ليست في محلها أو خاطئة.
وأخطاء بسبب اختيار طرق ومنهجيات بيداغوجية غير مناسبة للفئة التي يقوم المعلم بتعليمها.
ثم أخطاء نحوية لغوية.

وتكمن العوائق التي تقف في طريق الوصول إلى المعرفة والمعلومات العلمية المختلفة، وتتجه بعض الآراء إلى اعتبار أن أهم هذه العوائق تتجسد في المكتسبات القبلية ، أي كل ما يخزنه الدماغ قبل المباشرة بعملية التعلم.

وهذا ما يشكل العراقيل المعرفية كمثال التاريخ الشخصي التمظهرات المسبقة لأشياء والتي تحول دون التوافق في الحصول على المعرفة واكتساب المعلومات المستجدة بشكل صحيح. هذه العوائق تدفع بالمتعلم إلى الوقوع في مجموعة من الأخطاء كل مرة ويمكن تعدادها في 5 عراقيل أساسية وهي:

العراقيل اللغوية واللفظية: تتميز اللغة بتعدد ألفاظ ومعاني الكلمة الواحدة وذلك على حسب السياق وكذا صياغتها في الجملة. وهذا يصعب عملية الفهم بالنسبة للكثيرين الذين يملكون قدرا محدودا من المعلومات والمعارف.

العائق الجوهري: ويتمثل في البحث المستمر عن جواهر الأشياء وتجاهل الظاهر منها والتي استمرت منذ عقود ومازال العلماء في حيرة تجاهها ويبحثون عنها.

المعيقات ذات الصلة بالتجربة الأولية (المعرفة العامة): تتمثل في النظرة الأولى المأخوذة عن الظواهر والمواقف والمعارف من الوهلة الأولى. كذلك الملاحظة الأولية لمختلف الظواهر والتي تشكل الانطباع الأول والأحكام المسبقة على الأمور والتي تؤخذ بعد ذلك على أنها حقائق مطلقة، ثابتة غير قابلة للتحليل آو الشك.

عائق تداخل العلوم: ويتمثل في الاستخدام الشاسع المعلومات، وشموليتها لمختلف المجالات أحيانا في كل المجالات و تداخل المصطلحات والمفردات. ويسبب هذا إرباكا وخطأ في تشخيص الظواهر والمعلومات وإسقاطها في مجال غير مجالها.

عائق التعميم: يقول الفيلسوف الفرنسي باشلار في عائق التعميم: إنه ما من شيء عمل على تقيد تطور المعرفة العلمية كما فعل المذهب الخاطئ للتعميم ، الذي هيمن من فترة الفيلسوف اليوناني أرسطو إلى فرانسيس بيكون الكاتب والفيلسوف الإنجليزي، والذي ما يزال بالنسبة لعقول كثيرة المذهب الأساس للمعرفة.

وتأسيسا على ما سبق فإن هذه العوائق لا تعترض أو تقف سدا أمام المدرس خلال إنجازه للدروس فقط . بل تشكل أيضا صعوبة للمتعلم في اكتساب المعرفة الصحيحة والدقيقة والوصول إليها ببساطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock