ليس ملكًا بعد، لكنه لم يعد أميرًا فقط..

بل أيام، نشرت Africa Intelligence تقريرًا يكشف بعضًا مما يُدار في الكواليس: ولي
العهد الأمير مولاي الحسن يخضع لتأطير دقيق، مستلهم من النموذج الأمريكي، ويُشرف عليه اثنان من أبرز مهندسي السلطة الناعمة في المغرب: مصطفى التراب وكريم العيناوي.
الخبر في ظاهره تقني، بروتوكولي، لكنه في العمق يُفصح عن شيء آخر تمامًا. لا يتعلق الأمر بمجرد إعداد أمير شاب لتولي العرش؛ بل نحن أمام عملية هندسة سياسية و نفسية لرجل سيُدفع في قلب مرحلة شديدة التعقيد. ولي العهد، في هذا السياق، لم يعد مجرد “ابن الملك”، بل مشروع رجل دولة يُصاغ على المقاس، بعناية، وفق دفتر تحمّلات غير معلن.
مصطفى التراب، المدير العام لـ OCP، ليس مجرد تكنوقراط. الرجل يحمل دكتوراه من MIT، أحد أعمق معاقل النفوذ العلمي والتكنولوجي الأمريكي، وهو نتاج مزدوج لتكوين فرنسي دقيق (Ponts et Chaussées) وعقلانية أمريكية باردة. منذ سنوات، أصبح التراب أكثر من مجرد رجل أعمال: إنه رمز لإعادة تشكيل البنية التحتية الذهنية للنظام، بمعادلات اقتصادية-سياسية عابرة للحدود.
أما كريم العيناوي، فهو النسخة الأكاديمية الهادئة لما يمكن تسميته بـ “الدبلوماسية الفكرية”. اقتصادي تمرّس في بنك المغرب والبنك الدولي، و يتولى اليوم رئاسة Policy Center for the New South، و هو مركز تفكير صُمّم ليكون ذراعًا ناعمة للنفوذ المغربي في الجنوب العالمي.
العيناوي هو أيضًا عضو في اللجنة الثلاثية (Trilateral Commission)، تلك الشبكة العابرة للأوطان التي لا يُستدعى إليها إلا من رُسم له دور يتجاوز حدود الجغرافيا.
ولمن لا يعرف هذه المؤسسة، فأنصحه بالاقتراب منها جيدًا: إنها من أخطر المؤسسات غير الرسمية في صياغة السياسات العالمية، من الجيوبوليتيك والاقتصاد، إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومرورًا بالأمن والعقيدة العسكرية. حضور اسم مغربي داخلها ليس تفصيلاً… بل إشارة.، و إشارة قوية جدا.
ما نراه ليس مجرد إعداد كلاسيكي لوريث عرش، بل تهيئة دقيقة لرجل سيكون في قلب مرحلة مفصلية من تاريخ الدولة.
كل المؤشرات تدل على أن مولاي الحسن يُصاغ بعناية ليكون أكثر من مجرد ملك شكلي؛ يتم تشكيله ليكون محور توازنات داخلية وإقليمية معقدة، في زمن تتغير فيه معالم السلطة، وتتشابك فيه الملفات الأمنية، الجيوسياسية، والاقتصادية بشكل غير مسبوق.
اختيار أسماء مثل مصطفى التراب وكريم العيناوي ليس اعتباطيًا، بل يكشف عن نية واضحة: صناعة رجل دولة بمواصفات هجينة، تجمع بين المعرفة التقنية، الحس الاستراتيجي، والقدرة على مخاطبة النخب الدولية بنفس لغتهم وأدواتهم.
نحن لا نتحدث فقط عن تأطير أكاديمي أو مؤسساتي، بل عن هندسة هادئة، بعيدة عن الأضواء، تجهّز الأمير ليكون “واجهة مؤسساتية” قوية ومرنة في آن، قادرة على احتواء الصدمات المقبلة، داخليًا وخارجيًا.
نعم، نحن أمام لحظة تُبنى فيها شخصية مفصلية… لرجل سيُدفع في عمق لعبة الكبار.
ما يُفهم من كل هذا؟ أن الأمير الشاب لا يُعدّ فقط لوراثة العرش، بل يُعد تشكيله، ذهنًا ووعيًا، على مقاس مشروع أكبر، مشروع لا يُعِد رجلًا للعرش فقط، بل يزرع العرش داخل رجلٍ تم تشكيله ليليق بزمن قادم، قد لا يشبه شيئًا مما عرفناه.
منقول من صفحة مهدي dd



