مقالات واراء

المغرب يتكلم بهدوء….لحظة نزول ولي العهد مولاي الحسن

هند جوهري

 

لم يكن افتتاح كأس إفريقيا للأمم 2025 مشهداً رياضياً عادياً، بل كان لحظة رمزية تُقرأ ببطء، كقصيدة لا تُقال بلهجة عالية، بل تُفهم من بين السطور.لم يُرَ المغرب في تلك الليلة يصرخ بوجوده، بل يُعلن عنه بهدوء. لم يُحشر الفولكلور في زوايا العرض كزينة سريعة، بل تسلل إلى المشهد كسردية هادئة، تقول إن الهوية ليست عرضاً، بل استمرارية. شخصية “سراج الضياء” لم تكن مجرد شخصية درامية، بل استعارة للذاكرة الجماعية، للحارس الذي يحمل النور عبر الجغرافيا، لا ليعرضها، بل ليُظهر وحدتها.لكن التحول الحقيقي في الرمزية لم يأتِ من السينوغرافيا، بل من كسرها. حين نزل ولي العهد الأمير مولاي الحسن إلى أرضية الملعب تحت المطر، دون مظلة، دون بروتوكول ثقيل، حوّل اللحظة من حدث منظم إلى لحظة دلالة حية. لم تعد الرمزية مكتوبة سلفاً، بل تولدت تلقائياً، من فعل بسيط: قرب، تواضع، اتصال.حديثه إلى عميد المنتخب، وإشارته إلى الجماهير بوصفها “صاحبة الرغبة والطلب”، لم يكن تحفيزاً رياضياً فقط، بل تلخيصاً لعلاقة ثلاثية الأبعاد: بين الشعب، والمنتخب، والمؤسسة. الرسالة لم تُقال في خطاب رسمي، لكنها وصلت بوضوح: الشرعية، في الرياضة كما في السياسة، لا تُفرض، بل تستمد معناها من الإصغاء، من التماسك، من الشراكة.هذا الابتعاد عن البروتوكول الصارم ليس صدفة، بل اختيار واعٍ. الدول الواثقة من رمزيتها لا تحتاج إلى تضخيمها، بل إلى تحريرها. ما فعله ولي العهد في تلك اللحظة كان إعادة الإنسان إلى قلب المشهد، في زمن تميل فيه التظاهرات الكبرى إلى إفراغ اللحظات من معناها الإنساني لصالح الصورة.هكذا، انتقل الافتتاح من منطق “إظهار الدولة” إلى منطق “تمثيلها”. الدولة لم تتحدث عن نفسها، بل ترجمت في سلوك، في قرب، في لحظة صمت أكثر بلاغة من أي كلمة. وهذا ما منح الافتتاح ثقله الرمزي الحقيقي، بعيداً عن أي استعراض خطابي.على مستوى التدبير، هذا النوع من الرسائل لا يصدر عن الارتجال، بل عن ثقة في المسار وفي القائمين عليه. في هذا السياق، يصبح التنويه بدور فوزي لقجع مفهوماً خارج منطق الأشخاص، وداخلاً في منطق الاختيارات. حين تمنح الثقة، وتحسن إدارتها، تتحول التنظيمات الكبرى إلى فضاءات للمعنى، لا مجرد أحداث عابرة.في العمق، لا يمكن قراءة هذا الافتتاح خارج زمنه السياسي والرمزي. ما قدمه المغرب لم يكن مجرد عرض منظم بإتقان، بل تصوراً هادئاً لمعنى الحضور في لحظة إفريقية دقيقة. اختار أن يقول الكثير دون أن يرفع ذلك إلى خطاب، وأن يترك الفعل يتكفل بالمعنى.حين أشار ولي العهد إلى الجماهير، لم يكن يذكر اللاعبين فقط بمن ينتظر منهم الفوز، بل كان يعيد تثبيت فكرة أعمق: أن الشرعية تستمد من الإصغاء لا من التوجيه. في ذلك المشهد، لم يكن الجمهور خلفية صوتية، بل شريكاً رمزياً في صناعة اللحظة. كذلك، لم تكن الدولة في حاجة إلى استعراض قوتها، لأنها بدت واثقة بما يكفي لتترك المعنى يتشكل من تلقاء نفسه.هكذا، لم يكن الافتتاح إعلاناً عن بطولة فحسب، بل تمريناً مغربياً على القوة الناعمة، يراكم بهدوء، ويراهن على الذاكرة أكثر مما يراهن على اللحظة. الأكيد أن ما قدمه افتتاح كأس إفريقيا 2025 لم يكن جواباً جاهزاً، بل اقتراحاً يقول: إن الرياضة يمكن أن تكون لغة سيادية ناعمة، وأن الرمزية لا تحتاج دائماً إلى خطاب. وأن المغرب، حين يختار أن يتكلم بالفعل، يفعل ذلك بهدوء كي يجعل المعنى يصل دون ضجيج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock