من كاميرا الهاتف إلى مقعد البرلمان … أسامة باريك، صوت جديد من جبال ميدلت

فؤاد الياجيزي
لم يكن عبد العزيز بريك، المعروف في الفضاء الرقمي باسم «أسامة بريك» أو «أسامة باريك»، إسمًا مألوفًا في الأوساط السياسية التقليدية قبل انتخابات 23 شتنبر 2026.
غير أن هذا الشاب البالغ من العمر 28 سنة، القادم من إملشيل بإقليم ميدلت، تمكن من تحويل حضوره على مواقع التواصل الاجتماعي إلى ثقة انتخابية ملموسة، بعد فوزه بمقعد في مجلس النواب عن دائرة ميدلت باسم حزب الوحدة والديمقراطية .
وقد جاء هذا الفوز ليكون من أبرز مفاجآت الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، إذ حصل بريك على 21.19 في المائة من الأصوات المعبر عنها، ليقود نتائج الدائرة ويمنح حزب الوحدة مقعده الوحيد في مجلس النواب خلال الولاية التشريعية الجديدة.
فبعد أن كانت البداية من الهامش، حيث
ينحدر بريك من إملشيل، وهي منطقة جبلية يعرف ساكنوها صعوبات التنقل، وبُعد الخدمات العمومية، ومحدودية فرص التشغيل أمام الشباب.
قبل دخوله السباق الإنتخابي، كان أسامة قد راكم حضورًا عبر مقاطع فيديو قصيرة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولت من خلالها مشاكل ساكني القرى والمناطق الجبلية بإقليم ميدلت.
لم تكن حملته قائمة على وسائل إعلامية ضخمة أو موارد مالية كبيرة، بل اعتمدت أساسًا على شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى شبكة من المتطوعين الشباب، وعلى حضور ميداني مباشر بين الساكنة.
وقد ساعده هذا الأسلوب في تقديم نفسه كمرشح قريب من واقع الناس، بعيدًا عن الخطاب السياسي التقليدي.
صوت أسامة كان رسالة الجبل، إذ تمحورت خطاب بريك حول انشغالات ملموسة: الطرق الجبلية، صعوبة وصول التلاميذ إلى مؤسساتهم التعليمية، ضعف الخدمات الأساسية، والبطالة التي تدفع كثيرين من شباب المنطقة إلى الهجرة أو الانتظار الطويل أمام فرص عمل غير مضمونة. وقد لخص أحد التقارير الصحفية رسالته في التأكيد على أنه سينقل «مشاكل الجبل» إلى البرلمان.
هذا القرب من معاناة الساكنة منح حملته مصداقية لدى فئة واسعة من الناخبين، خصوصًا أن المرشح لم يأتِ من نخبة سياسية أو عائلية معروفة، بل من بيئة اجتماعية بسيطة عرف عن قرب تفاصيل الحياة اليومية في المناطق الجبلية.
أسفرت نتائج الاقتراع عن مفاجأة انتخابية، حيث تصدر بريك سباق دائرة ميدلت، متفوقًا على مرشحين ينتمون إلى أحزاب ذات حضور تقليدي في المنطقة. وقد أظهرت المعطيات المتداولة حصوله على ما يقارب 16 ألف و450 صوتًا وفق إحدى النتائج المعلنة، فيما أوردت تقارير أخرى أرقامًا أولية أعلى خلال عملية فرز الأصوات، قبل اعتماد النتيجة النهائية.
إن ما جعل النتيجة أكثر لفتًا للانتباه هو أنها منحت حزب الوحدةوالديمقراطية، – وهو حزب صغير- الحضور البرلماني، بمقعده الوحيد في مجلس النواب، وهو ما جعل من بريك الوجه الأبرز للحزب في الولاية التشريعية.
فهل سيكون بريك في مستوى تحديات التمثيل؟
يبقى أمام بريك تحدٍ أصعب من الفوز الإنتخابي، وهوتحويل الثقة التي منحه إياها الناخبون إلى عمل برلماني فعلي. فالناخب الذي صوّت له لم يمنحه مقعدًا فقط، بل انتظر منه أن يدافع عن ملفات الطرق، والتعليم، والصحة، والتشغيل، والتنمية القروية في إقليم ميدلت.
كما سيتعين عليه الموازنة بين حضوره الرقمي الواسع، الذي كان أداة نجاحه، ومتطلبات العمل البرلماني الذي يتطلب معرفة قانونية وإجرائية، وقدرة على بناء التحالفات، وصبرًا طويلًا في التعامل مع ملفات التنمية التي لا تُحلُّ بين ليلةٍ وضحاها.
فالرسالة تتجاوز الإسم، إذ مهما كان مساره البرلماني لاحقًا، فإن وصول عبد العزيز بريك إلى مجلس النواب يحمل دلالة تتجاوز شخصه. فهو يؤكد أن الفضاء الرقمي أصبح اليوم أداة سياسية حقيقية، قادرة على صناعة حضور جماهيري وتحويله إلى تأثير إنتخابي، وأن الناخب قد يمنح ثقته لوجه جديد لا ينتمي إلى الأعيان أو النخب التقليدية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل سيستطيع «أسامة بريك» أن يحافظ على لغة البساطة والقرب التي ميّزت حملته، بعد دخوله إلى مؤسسة البرلمان؟ أم أن ضغط المؤسسة وتعقيدات العمل السياسي سيغيّران من طبيعة هذا الصّوت الذي جاء من الجبل ليمثل ساكنيه في قبة مجلس النواب؟



